بحث عن بحث

ماهية الأخلاق

إن المتأمل في مفهوم الأخلاق لدى الشعوب الأخرى على اختلاف ثقافاتهم يجد أن الأخلاق عندهم هي السلوك فقط.

وهذا قصور شديد في مفهوم الأخلاق، ولهذا لا تتسامى تلك الشعوب ولا تتنامى فيها الفضائل.

أما مفهوم الأخلاق في الإسلام فهو أوسع وأشمل، يتضح ذلك من خلال اختلاف تعبيراتنا عن الأخلاق، ومن هذه العبارات في وصف صاحب الخلق الفاضل ؛ الصادق - الرحيم - العطوف - الكريم - المخلص - المتعاون - المتواضع - المحب لإخوانه المسلمين - النصوح -... الخ.

ولو تأملنا هذه الأخلاق لوجدنا أن بعضها يعود إلى الفكر، وبعضها يعود إلى المشاعر، وبعضها يعود إلى السلوك.

فالذي يحمل فكراً سليماً يبطن مشاعر طيبة ويسلك سلوكاً مستقيماً، والذي يحمل فكراً سقيماً يبطن مشاعر سيئة ويسلك سلوكاً منحرفاً، قال تعالى: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا) (1).

ومنه قوله صلى الله عليه وسلم (...ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلُحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) (2).

قال العلامة ابن رجب رحمه الله عند شرحه للحديث: [فيه إشارة إلى أن صلاح حركات العبد بجوارحه، واجتنابه للمحرمات واتقاءه للشبهات بحسب صلاح حركة قلبه ؛ فإن كان قلبه سليماً ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يحبه الله، وخشية الله وخشية الوقوع فيما يكرهه، صلحت حركات الجوارح كلها ونشأ عن ذلك اجتناب المحرمات وإن كان القلب فاسداً قد استولى عليه إتباع هواه، وطلب ما يحبه ولو كرهه الله فسدت حركات الجوارح كلها، وانبعثت إلى كل المعاصي والمشتبهات بحسب إتباع هوى القلب] (3).

ولنتأمل هذا الحديث الشريف (لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم) (4) إفشاء السلام سلوك كوّن المشاعر (الحب) وهذان أثرا في زيادة الإيمان.

وفي واقعنا نرى أن الأوضاع السلوكية تؤثر على المشاعر فالشخص المرتبك الخجول يحتاج إلى تغيير وضعه كرفع الرأس واعتدال القامة حتى يتغلب على مشاعر الارتباك والقلق، وأكثر الأشخاص العدوانيين في سلوكهم يحملون مشاعر الكره لمن يعادونهم إضافة إلى فكر الانتقام والإجرام.

فالسلوك إذن يعبر عن الفكر والمشاعر ويظهر نتيجةً لهما.

وبهذا نخلص إلى تعريف الأخلاق بأنها:

هيئة راسخة في النفس تصدر عنها الأفعال بيسر وسهولة من غير حاجة إلى فكر وروية (5).

شرح التعريف:

هيئة راسخة: هي عبارة عن الفكر الذي يحمله والمشاعر التي يبطنها.

الأفعال: ويعني السلوك.

بيسر وسهولة: أي تلقائية.

من غير فكر ولا روية: أي من غير إعمال العقل والتفكير في العواقب.

فالذي يكظم غيظه ويعفو حياءً من نظر الآخرين لا يُعدّ حليماً، والذي يدفعه الحَرَج والسمعة إلى الإنفاق لا يعدّ كريماً... وهكذا.

وبحسب هذه الأفعال والمشاعر والفكر فإن كانت حسنة كان الخلق حسناً،وإن كانت سيئة كان الخلق سيئاً.

 

الهوامش:

 (1) سورة الأعراف آية 58.

 (2) أخرجه البخاري باب فضل من استبرأ لدينه ح52-1/28، ومسلم باب أخذ الحلال وترك الشبهات ح1599-3/1219.

 (3) جامع العلوم والحكم 1/210.

 (4) أخرجه مسلم باب لا يدخل الجنة إلا المؤمنون 2/35 مع شرح النووي.

 (5) التعريفات للجرجاني ص101.