بحث عن بحث

الخلق مع الله تعالى ( 4-9)

ثالثاً : توحيد الألوهية :

وهو إفراد الله تعالى بالعبادة ، بألا تكون عبداً لغير الله ، فلا تعبد غير الله تعالى ، لا ملكاً ولا نبياً ولا شيخاً ولا أماً ولا أباً ولا غير ذلك ، ولا تكون عبداً لغير الله .

والعبادة تطلق على أمرين ؛ على الفعل والمفعول ، فأما المفعول فهو المتعبد به ، وبهذا المعنى عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية فقال:

العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة (1).

 ولا تُقبل العبادة إلا بشرطين هما :

          الأول : أن يكون خالصاً لله تعالى  .

           الثاني : أن يكون صواباً ؛ أي موافقة شرع الله تعالى ومتابعة سنة النبي صلى الله عليه وسلم .

والدليل عليهما قوله تعالى: ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء )(2) ، وقال عليه الصلاة والسلام ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )(3) .

قال الفضيل بن عياض رحمه الله في قوله تعالى ( ليبلوكم أيكم أحسن عملاً )(4) أخلصه وأصوبه.

قالوا : يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه ؟

قال : إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل ، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل؛ حتى يكون خالصاً صواباً ، والخالص أن يكون لله ، والصواب أن يكون على السنة(5) .

 

وإطلاق العبادة على الفعل ، يعني التعبد وتعرّف العبادة بناء عليه بأنها : التذلل لله عز وجل حباً وتعظيماً ؛ بفعل أوامره واجتناب نواهيه(6) .

والعبودية تعني الخضوع لله بالطاعة ، والتذلل له بالاستكانة(7) ، وكل مَن ذلّ لله عزّ بالله ، إذ هو عبد لمن بيده ملكوت السموات والأرض ، عبد لمن إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون ، عبد لمن إذا دخل في عبوديته أمن من كل ما يخاف ونال كل ما يريد ؛ وشتّان بين هذه العبودية وبين عبودية الأهواء والشهوات ، أو عبودية مَن لا حول له ولا قوة ؛ فهي خوف من مفارقة المعبود أو نقصانه أو فواته ، وهمٌ وشقاء في تحصيله ، قال سبحانه ( ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل هل يستويان مثلاً الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون )(8)

وقال عليه الصلاة والسلام ( تعس عبد الدينار ، وعبد الدرهم ، وعبد الخميصة ، إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط ، تعس وانتكس ، وإذا شيك فلا انتقش )(9)

ومعنى العبودية لهذه الأشياء الشغف والولوع بها ، والاشتغال بجمعها وحفظها ، والاغتمام لفواتها أو قصورها ، وكأنه خادمها وعبدها ، ومَن كان كذلك لم يصدق في حقه إياك نعبد(10).

وكمال العبودية لله تعالى بكمال الذل له والانقياد والطاعة ؛ لأنه يعلم أن ما قدره عليه ربه وقضاه ، أو أمره ونهاه فلأن لله تعالى الخلق والأمر  .. وهو سبحانه حكيم في أمره وتدبيره ، وهو سبحانه لا يُسئل عما يفعل وهم يسئلون ، قال ابن القيم رحمه الله :[ إن مقام العبودية هو بتكميل مقام الذل والانقياد ، وأكمل الخلق عبودية أكملهم ذلاً لله وانقياداً وطاعة ، ذليل لمولاه الحق بكل وجه من وجوه الذل ، فهو ذليل لقهره ، ذليل لربوبيته فيه وتصرفه ، وذليل لإحسانه إليه وإنعامه عليه ](11) .

وكمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله ، وكلما ازداد العبد تحقيقاً للعبودية ازداد كماله وعلت درجته(12) . وقد نعت الله سبحانه بالعبودية كل من اصطفى من خلقه فقال ( واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار )(13) وقال ( سبحان الذي أسرى بعبده من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ..) (14)، وقال ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً )(15) .

وبهذا يتضح أن للعبودية ركيزتين لا تتحقق إلا بهما هما ؛ الأولى : المحبة ، والثانية : الخضوع والتعظيم .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :[ ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابداً له ، ولو أحب شيئاً ولم يخضع له لم يكن عابداً له ، كما قد يحب الرجل ولده وصديقه ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى ، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء ، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء ، بل لا يستحق المحبة والخضوع التام إلا الله ، وكل ما أحب لغير الله فمحبته فاسدة ، وما عظم بغير أمر الله فتعظيمه باطل ](16) . سنتكلم عنهما بإذن الله في الحلقة القادمة


(1) شرح العبودية ص6 .

(2) سورة البينة آية 5 .

(3) أخرجه البخاري ك الصلح باب إذا اصطلحوا على صلح جور ... ، ومسلم ك الأقضية باب نقض الأحكام الباطلة 

(4) سورة الملك آية 2 .

(5) شرح العبودية ص59 .

(6) شرح الواسطية 1/25 .

(7) تفسير ابن جرير 1/155 .

(8) سورة الزمر آية 29 .

(9) أخرجه البخاري باب الحراسة في الغزو في سبيل الله ح2730-3/1057 .

(10) انظر فتح الباري 11/254 . ومعنى القطيفة: الثوب الذي له خمل ، الخميصة: الكساء المربع ، وأما قوله ( وإذا شيك فلا انتقش ) إذا أصابته شوكة فلا وجد مَن يخرجها منه بالمنقاش انظر الفتح 6/82 .

(11) مفتاح دار السعادة 1/500 .

(12) انظر شرح العبودية ص63 .

(13) سورة ص آية 45 .

(14) سورة الإسراء آية 1 .

(15) سورة الفرقان آية 63 .

(16) العبودية مع شرحها ص18 .