بحث عن بحث

 

الحيـــــــاء

اسم الله الحيي الستير سبحانه جل جلاله (6- 32)

 

 

وهنا تأتي مسألة هل الفخذ عورة؟ قولان للعلماء:

القول الأول: أن الفخذ ليس بعورة لحديث أنس السابق الذكر.

القول الثاني: وهو الراجح أن الفخذ عورة لحديث جرهد الأسلمي.

وأما حديث أنس بن مالك فالجواب عنه: أن انحسار إزار رسول الله كان بسبب الركوب دون اختياره عليه السلام, ثم إن هذه قضية عين وهو فعله عليه الصلاة والسلام, والقاعدة الأصولية أن القول إذا عارض الفعل قُدِّم القول على الفعل. ثم إن رواية كشف الفخذ في حديث أنس كانت من صغار الصحابة وحديث تغطية الفخذ من رواية كبار الصحابة وعليه تُقدَّم رواية الأكابر على الأصاغر.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم  من أحرص الناس على ستر عورته حتى عند قضاء الحاجة ففي الحديث الصحيح الذي صححه الألباني عن ابن عمر رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم  كان إذا أراد حاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض)(1) .

وفي الحديث الآخر من علي رضي الله عنه  قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  (ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل  أحدكم الخلاء أن يقول: بسم الله)(2)، وهنا يحسن التنبيه على حديث مشهور لكنه ضعيف ينهي عن التعري عند قضاء الحاجة، وعند الجماع وهو (إياكم والتعري ، فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط وحين يفضي الرجل إلى أهله فاستحيوهم وأكرموهم)(3) وفيه ليث بن أبي سليم، وكان قد اختلط، وضعفه الألباني (4).

ومن المعلوم أنه لا قضاء للحاجة ولا جماع ولا اغتسال إلا بكشف العورة، ولكن قد ينزع الحياء من بعض الناس فتراه يغتسل ولا يبالي بمن يراه من الناس ولا حول ولا قوة إلا بالله، وعن معاوية بن حيدة القشيري ، قال : قلت يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك، قال: الرجل يكون مع الرجل، قال: إن استطعت ألا يراها أحد فافعل، قال: قلت: والرجل يكون خالياً؟ قال: فالله أحق أن يستحيا منه) (5) .

قال السندي في حاشية ابن ماجة: ومعنى (فالله أحق أن يستحيا منه): أي فاستتر يعني مما أمر الله بالاستتار منه، طاعة له وطلباً لما يحبه منك ويرضيه، وليس المراد فاستتر منه، إذ لا يمكن الاستتار عنه جل ذكره وثناؤه. ا.هـ.

وقد سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن قول الله عز وجل (أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (هود:5) فقال: أناسٌ كانوا يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء فنزل ذلك فيهم   (6) .

يعني أنهم كانوا يكرهون أن يقضوا الحاجة في الخلاء وهم عراة.

وكان الصديق رضي الله عنه يقول: استحيوا من الله، فإني أذهب إلى الغائط فأظلّ متقنعاً بثوبي حياء من ربي عز وجل.

وكان أبو موسى إذا اغتسل في بيت مظلم لا يقيم صلبه حياء من الله عز وجل  (7) .

لكن هذا قدر زائد، ومكرمة عالية، لا يؤمر بها كل الناس، والإخلال بمثل هذا المقام لا يخلّ بأدب ولا دين، ما دام المرء قد حفظ عورته كما أمره نبيه صلى الله عليه وسلم  وأعطى الحياء حقه. واستنّ بسنة نبيه عند قضاء حاجته فإذا أراد أن يقضي حاجته ابتعد عن أعين الناس ولم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض، وإذا دخل مكان قضاء حاجته سمَّ باسم الله حتى يحفظ نفسه من أعين الجن. فهذا هو المطلوب.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (إن امرأة من الأنصار قالت للنبي صلى الله عليه وسلم  : كيف أغتسل من المحيض؟ قال: خذي فرصةً ممسكة فتوضئي ثلاثاً- ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم  استحيا، فأعرض بوجهه- أو قال: توضئي بها، فأخذتها فجذبتها فأخبرتها بما يريد النبي صلى الله عليه وسلم  )  (8)

ثم لنتأمل كيف هو حياؤه صلى الله عليه وسلم  حين تزوج بزينب رضي الله عنها بخبز ولحم، فأكل القوم ثم خرجوا، وبقي ثلاثة رهط يتحدثون في البيت، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم  ثم رجع، فإذا الثلاثة في البيت يتحدثون, وكان النبي صلى الله عليه وسلم  شديد الحياء.

قال أنس : وشهدت وليمة زينب. فأشبع الناس خبزاً ولحماً وكان يبعثني فأدعو الناس، فلما فرغ قام وتبعته. فتخلَّف رجلان استأنس بهما الحديث لم يخرجا، فجعل يمر على نسائه. فيسلِّم على كل واحدة منهن (سلام عليكم، كيف أنتم يا أهل البيت) فيقولون: بخير يا رسول الله. كيف وجدت أهلك؟ فيقول بخير . فلما فرغ رجع ورجعت معه. فلما بلغ الباب إذا هو بالرجلين قد استأنس بهما) الحديث(9) . فلما رأياه قد رجع قاما فخرجا. فوالله ما أدري أنا أخبرته أم أُنزل عليه الوحي بأنهما قد خرجا. فرجع ورجعتُ معه. فلما وضع رجله في أسكفة الباب أرخي الحجاب بيني وبينه وأنزل الله هذه الآية( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ) ( الأحزاب:53) (10)

 

 

                                                                                                        يتبــــــع

 


(1) صحيح أبي داود للألباني برقم ( 14 ) .

(2)  صحيح الترمذي للألباني برقم ( 606 ) .

(3)  رواه الترمذي (2800).

(4)  إرواء الغليل ص 64

(5) رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجة وحسنه الألباني في صحيح الترمذي( 2796 ) .

(6) رواه البخاري  برقم ( 4681 ).

(7) انظر: فتح الباري لابن رجب 1/52.

(8)  رواه البخاري برقم  ( 315 ) .

(9)  في رواية أخرى (وزوجته موليّه وجهها إلى الحائط) يعني زينب رضي الله عنها.

(10)  رواه مسلم برقم  ( 1428 ) .