بحث عن بحث

 

الحيـــــــاء

اسم الله الحيي الستير سبحانه جل جلاله (22-32)

 

فإن قال قائل: أوليس الصحابة كانوا يتحدثون بما فعلوا في الجاهلية ؟

قيل إن الصحابة كانوا على الشرك وليس بعد الكفر ذنب ، والكلام في المسلم إذا أذنب, ومع الأسف بعض العصاة اليوم يأتون في مجامع الناس ويتحدثون عن أفعالهم التي فعلوها قبل التوبة فيتحدث عن تركه للصلاة, وعقوقه لوالديه, وشربه للخمر, وأذيته للمسلمين .

وهذا لا ينبغي فإنه بهذا يكون قد حرم نفسه من هذا الخير العظيم وهو مغفرة الله لذنوبه؛ لأن الحديث فيه (سترتها عليك في الدنيا) وكونه يحدث الناس بها هذا لم يعد ستراً فإن الناس قد علموها.

قال أحد المشايخ: ركب معي شاب متخرج من الثانوية العامة, وكان لا يعرفني فقال لي: عندي سؤال. قلت ماذا ؟ قال إني أحضر المحاضرة فأسمع المتحدث أو الملقي يتحدث عن ماضيه وذنوبه فيقع في نفسي أمر. قلت: ما هو؟ قال: أن أفعل مثل ما فعل ثم أصبح كما أصبح.

لذا ينبغي دعوة الناس بالكتاب والسنة لا بالقصص والأخبار التي تتحدث عن الماضي مما فيه من الزلات.

لا نور أعظم من نور الوحيين,  وإذا لم يسع الناس هدي الكتاب والسنة فماذا سيسعهم ؟ هل سيسعهم القصص والهزل؟ وصدق الله حين قال (إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ) (الطارق:13-14) نعم لا مانع من سوق القصص للعظة والعبرة ولا مانع من أن يكون الإنسان قبل الهداية ربما قد زلت قدمه في فعل المعاصي, ولربما عقَّ والداً بسبب المعصية والشهوة, ولربما سرق مالاً لكنه لا يقول عن نفسه: إنه فعل كذا وكذا في الماضي. وأما مجيء الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم وقولهم له: فعلتُ كذا أو زنيت أو غير ذلك فهذه خصوصية له صلى الله عليه وسلم كما قال الله (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) (النساء:64) أما وقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد انتهى هذا الأمر.

ثم ينبغي على العبد بعد ستره لنفسه أن يستر والديه فهما أحق الناس بالستر ومع الأسف أحياناً يأتي الشاب فيسأل العالم,  ولربما كان يعرف والده فيقول له أبي يفعل كذا من الذنوب ؟ أو أحياناً يقول: ابتليتُ فنشأتُ في بيئة غير صالحة. أو يقول: أمي تفعل كذا  وكذا مما لا يرضى الله فيقال لمثل هذا: اتق الله في أبيك وأمك وقل: رجل عنده أب يفعل كذا وكذا فما الحكم؟ ولا تقل: أبي يفعل كذا و كذا.

 فالمسلم لا ينبغي له أن يهتك ستر والديه فإن الستر واجب لعموم المسلمين فكيف بالوالدين؟! (وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) (الأنعام:151)ثم قال في آخر الآية (ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) فإذا وجدت العبد رجلاً أو امرأة أحرص ما يكون على الستر فاعلم أنه راجح العقل(1)جعلنا الله وإياكم منهم.

وقد أخبرنا صلى الله عليه وسلم أن المجاهر بالمعاصي غير معافى ففي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صل الله عليه وسلم يقول:"كل أمتي معافى إلا المجاهرين"(2)، وإن من المجاهرة أن يعمل العبد بالليل عملاً ثم يصبح قد ستره ربه، فيقول : يا فلان ! قد عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، فيبيت يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه.

 

يتبع في الحلقة القادمة قصة جميل ستر الله تعالى على رجل من قوم موسى عليه السلام 



(1) من كلام الشيخ محمد محمد المختار للشنقيطي عند شرحه لسنن الترمذي كتاب الصيام باب ما جاء في إفطار الصائم المتطوع. وكذا في كتاب الصلاة باب ما جاء في الاغتسال يوم الجمعة) في الأسئلة.

(2) رواه البخاري برقم ( 6069 ) .