بحث عن بحث

 

المدارس النسائية في العصور الأولى (2-4)

العوامل التي ساعدت على نبوغها :

- امتازت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالذكاء وقوة الحفظ والاستذكار مما ساعدها على حفظ القرآن الكريم وكثير من الأحاديث والفقه فيهما ، أضف إلى ذلك فصاحة لسانها وعلو بيانها وعلمها بالعربية مما ساعدها على تفسير القرآن الكريم  ، وكذلك حبها للعلم و المعرفة؛ فقد كانت تسأل و تستفسر إذا لم تعرف أمراً أو استعصى عليها مسألة، فقد قال عنها ابن أبي مليكة : كانت لا تسمع شيئا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه .

قال عروة: ما رأيت أحدا أعلم بالطب من عائشة رضي الله عنها.

فقلت: يا خالة، ممن تعلمت الطب ؟ قالت: كنت أسمع الناس ينعت بعضهم لبعض، فأحفظه(1).

- زواجها في سن مبكر من النبي صلى الله عليه وسلم ، ونشأتها في بيت النبوة، فعن عن عروة قال: تزوج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة وهي ابنة ست سنين وبنى بها وهي ابنة تسع ومكثت عنده تسعا(2) تشاهد أحوال النبي صلى الله عليه وسلم وتطلع على أخباره ، وتعلم خاصة شؤونه ، ومما روته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم(3)

كما تعلمت عامة شؤون النساء ؛ فقد كانت تتلقى من النبي صلى الله عليه وسلم  الفقه مباشرة ، من ذلك لما سألتها امرأة: أتجزي إحدانا صلاتها إذا طهرت ؟ فقالت أ حرورية أنت ؟ كنا نحيض مع النبي صلى الله عليه وسلم فلا يأمرنا به أو قالت فلا نفعله(4).

، وكانت تستمع إلى أجوبته على أسئلة النساء اللاتي يقصدن بيتها لسؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض شؤونهن ، من ذلك قالت: أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسلها من المحيض . فأمرها كيف تغتسل قال ( خذي فرصة من مسك فتطهري بها ) . قالت كيف أتطهر ؟ قال ( تطهري بها ) قالت كيف ؟ قال ( سبحان الله تطهري ) . فاجتبذتها إلي فقلت تتبعي بها أثر الدم(5) .

وكانت تشهد نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت(رضي الله عنها)تسأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن معاني القرآن الكريم وإلى ما تشير إليه بعض الآيات.فجمعت بذلك شرف تلقي القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم  فور نزوله وتلقي معانيه أيضاً من رسول الله. من ذلك قالت : قلت : يا رسول الله ( الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة )(6) هم الذين يشربون الخمر ويسرقون ؟ قال ( لا يا بنت الصديق ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن لا يقبل منهم ( أولئك الذين يسارعون في الخيرات ..)(7).

وحفظت عن النبي صلى الله عليه وسلم ألفين ومئتين وعشرة أحاديث(8)معظمها يتضمن السنن الفعلية .

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصاً على تعليمها لما لمسه من ذكائها وسرعة حفظها وقوة ذاكرتها ، فعن عائشة رضي الله عنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم  كان إذا صلى فإن كنت مستيقظة حدثني وإلا اضطجع حتى يؤذن بالصلاة )(9)ويوجد الكثير من الأحاديث مما علّم عليه الصلاة والسلام تلميذته وزوجه عائشة رضي الله عنها ، وتعلمناه منها.

- نزول  الوحي في حجرتها، وهذا ما فُضّلت به بين نساء رسول الله. قال عروة بن الزبير : كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة قالت عائشة فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة فقلن: يا أم سلمة والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة وإنا نريد الخير كما تريده عائشة فمري رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيثما كان أو حيثما دار قالت فذكرت ذلك أم سلمة للنبي صلى الله عليه وسلم  قالت فأعرض عني فلما عاد إلي ذكرت له ذلك فأعرض عني فلما كان في الثالثة ذكرت له فقال ( يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها )(10) ولذلك انفردت بأحاديث لم تروها صويحباتها .

- كونها ابنة أبي بكر الصديق ، ونشأتها في الإسلام -إذ ولدت قبل الهجرة بثمانية أعوام- مكّنها من سماع القرآن من فم والدها الصديق منذ نعومة أظفارها ، ويتضح ذلك من قولها:( لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية ألعب (بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر) وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده)(11).

كما كان والدها t علّامة العرب في الأنساب وأحد فصحائهم وبلغائهم ، وقد أخذت رضي الله عنها عنه وتعلمت منه ، قال هشام بن عروة: كان عروة يقول لعائشة: يا أمتاه، لا أعجب من فقهك ; أقول: زوجة نبي الله، وابنة أبي بكر.

ولا أعجب من علمك بالشعر وأيام الناس ; أقول: ابنة أبي بكر، وكان أعلم الناس.

ولكن أعجب من علمك بالطب [ كيف هو ومن ] أين هو، أو ما هو ! قال: فضربت على منكبه، وقالت: أي عرية، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم  كان يسقم عند آخر عمره أو في آخر عمره وكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه، فتنعت له الأنعات، وكنت أعالجها له، فمن ثم (12).

                                للحديث بقية يتبع في الحلقة القادمـــة....

                                                          بقلم / د . إلهام بدر الجابري


 


(1) انظر : سير أعلام النبلاء 2/181 .

(2) أخرجه البخاري باب من بنى بامرأة وهي بنت تسع ح4863-5/1980 .

(3) أخرجه البخاري باب الصائم يصبح جنبا ح1825-2/679 .

(4) أخرجه البخاري ك الحيض باب لا تقضي الحائض الصلاة ح315-1/122 .

(5) أخرجه البخاري باب دلك المرأة نفسها إذا تطهرت من حيضها ح308-1/119 .

(6) سورة المؤمنون آية 63 .

(7) أخرجه الترمذي في التفسير باب تفسير سورة المؤمنون ح3175-5/327 وصححه الألباني ، وابن ماجه باب التوقي على العمل ..ح4198-2/1404 ، وأحمد ح25302-6/159 ، والحاكم باب تفسير سورة المؤمنون ح3486-2/427 وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي .

(8) سير أعلام النبلاء 2/139 .

(9) أخرجه البخاري باب من تحدث بعد ركعتين ولم يضطجع ح1108-1/389 .

(10) أخرجه البخاري ح3564-3/1376 .

(11) أخرجه البخاري باب تأليف القرآن ح4707-4/1910 .

(12) انظر : سير أعلام النبلاء 2/181 .