بحث عن بحث

 

المدارس النسائية في العصور الأولى (3-4)

 

مدرسة عائشة رضي الله عنها :

ونتيجة لعلمها وفقهها أصبحت حجرتها المباركة وجهة طلاب العلم ، يقصدونها ليتعلموا منها ، وإذا اختلفوا في مسألة رجعوا إليها ، حتى غدت هذه الحجرة أول مدارس الإسلام وأعظمها أثرا في تاريخ الإسلام.

وصف هذه المدرسة :

كانت عبارة عن غرفة قصيرة البناء ، مبنية من جريد عليه طين بعضه من حجارة مرضومة وسقفها من جريد(1) ، وكانت رضي الله عنها تضع حجاباً بينها وبين تلاميذها، فمما نقله عنها تلميذها مسروق رحمه الله عن عائشة قالت : كُنْتُ أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  بِيَدَيَّ ) قَالَ مَسْرُوقٌ: فَسَمِعْتُ تَصْفِيقَهَا بِيَدَيْهَا مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ وَهِيَ تُحَدِّثُ بِذَلِكَ(2) .

وعن يوسف بن ماهك قال: كان مروان على الحجاز استعمله معاوية فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئا فقال خذوه فدخل بيت عائشة فلم يقدروا فقال مروان إن هذا الذي أنزل الله فيه { والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني } . فقالت عائشة من وراء الحجاب ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن إلا أن الله أنزل عذري )(3) .

وقد تكرر ذكر هذا الحجاب عرضاً في بعض ما نقله تلاميذها عنها ليس هذا محل تعدادها .

تلامذة هذه المدرسة(4) :

لقد كان لعائشة رضي الله عنها عدد كبير من التلاميذ وكانوا يأتونها من العراق والشام وأنحاء الجزيرة . منهم ابنا أخيها القاسم وعبد الله ابنا محمد بن أبي بكر الصديق ، وابنا أختها عبد الله وعروة ابنا الزبير بن العوام ، وعباد بن حبيب بن عبد الله بن الزبير ، ومن الصحابة عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري وزيد بن خالد الجهني وأبو هريرة وابن عمر وابن عباس وربيعة بن عمرو الجرشي والسائب بن يزيد والحارث بن عبد الله بن نوفل وغيرهم.

ومن أكابر التابعين سعيد بن المسيب ، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وعلقمة بن قيس وعمرو بن ميمون ، ومطرف بن عبد الله بن الشخير ، ومسروق بن الأجدع ، وعطاء بن أبي رباح وغيرهم كثير .

وكان لها عدد كبير من النساء يأخذن عنها العلم كأمثال بنت أخيها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ، وبهية مولاة أبي بكر الصديق ، وبنت أخيها حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ، وخيرة أم الحسن البصري ، وزينب بنت أبي سلمة ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم ، وصفية بنت أبي عبيد امرأة عبد الله بن عمر ، وعائشة بنت طلحة بن عبيد الله ، وعمرة بنت عبد الرحمن ،وقمير امرأة مسروق بن الأجدع، ومسيكة المكية أم يوسف بن ماهك ، ومعاذة العدوية ، وغيرهن

منهج المدرسة :

أولاً : كانت رضي الله عنها تتبع المنهج العلمي أي توثيق المسائل بما ورد في الكتاب والسنة ، فلما ذُكر لها قول ابن عمر رضي الله عنه (مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا أَنْضَخُ طِيبًا لأَنْ أَطَّلِىَ بِقَطِرَانٍ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَنَا طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عِنْدَ إِحْرَامِهِ ثُمَّ طَافَ فِي نِسَائِهِ ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا(5). قالت: وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم  أحق أن تتبع(6) .

 

عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ ابْنَ زِيَادٍ كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ مَنْ أَهْدَى هَدْيًا حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَاجِّ حَتَّى يُنْحَرَ الْهَدْىُ وَقَدْ بَعَثْتُ بِهَدْيِى فَاكْتُبِى إِلَىَّ بِأَمْرِكِ. قَالَتْ عَمْرَةُ قَالَتْ عَائِشَةُ لَيْسَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَا فَتَلْتُ قَلاَئِدَ هَدْىِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدَىَّ ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  بِيَدِهِ ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِى فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  شَيءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ(7).

قال الزهري: أول من كشف الغمى عن الناس وبين لهم السنة في ذلك عائشة رضي الله عنها(8).

 

ثانياً : كانت رضي الله عنها تتورع عن الكلام بغير علم ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ قَالَ أَتَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَتْ عَلَيْكَ بِابْنِ أَبِى طَالِبٍ فَسَلْهُ فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-. فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ.(9)

 

                             للحديث بقية يتبع في الحلقة القادمـة

                                بقلم / د . إلهام بدر الجابري


(1) انظر : البداية والنهاية 3/220 .

(2) أخرجه أحمد ح24066-6/30 قال الأرناؤوط:إسناده صحيح على شرط الشيخين .

(3) أخرجه البخاري باب سورة الأحقاف ح4550-4/1827 .

(4) انظر : تهذيب الكمال 7885-35/277 ، تهذيب  التهذيب 8989-12/384 .

(5) أخرجه مسلم باب الطيب للمحرم عند الإحرام ح2899-4/12 وهو عند البخاري دون قول ابن عمر رضي الله عنهما .

(6) أخرجه ابن خزيمة باب الرخصة في الاصطياد ح2938-4/303 قال الأعظمي: إسناده صحيح .

(7) أخرجه البخاري باب إشعار البدن ح1612-2/609 ، ومسلم باب استحباب بعث الهدي إلى الحرم ح3268-4/90 واللفظ له .

(8) الإجابة بإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة ص87 .

(9) أخرجه مسلم باب التوقيت في المسح على الخفين ح661-1/159 .