بحث عن بحث

 

 

ست الركب بنت علي العسقلانية

 

"معلمة أمير الحفاظ"

 

 

علم وفير، وعمر قصير، هكذا كانت حياة ست الركب بنت علي بن محمد العسقلانية، التي وُلدت في النصف الثاني من القرن الثامن للهجرة، وبالتحديد سنة سبع وسبعمائة من الهجرة.

وكان لتسميتها بهذا الاسم الغريب قصة طريفة، إذ عزم والداها على الحج فخرجا من مصر في ركب الحجاج، وأثناء مسيرهم فاجأ المخاض والدتها، فوضعتها، وسمّاها والدها ست الركب، وكنّاها بأم محمد، وقد نشأت ست الركب في كنف أبوين كريمين محبَيْن للعلم وأهله، فكان والدها نور الدين علي بن محمد بن محمد بن حجر العسقلاني، أحد المهتمين بالعلم والمشتغلين فيه، لذا فقد حرص على تعليم ابنته، فكان كثيراً ما يصحبها إلى حلقات العلم والعلماء، وهي بعد بُنية صغيرة.

إلا أن الله شاء لهذا المربي العالم أن يترك ابنته وهي ما زالت متعطشة إلى علمه وبره، فوافته المنية، وهي لا تزال في السابعة من عمرها.

ولكن حبها للعلم الذي غرسه فيها ذلك الأب الفاضل جعلها تُقبل على حفظ القرآن وتدارسه، وتهفو إلى مختلف العلوم تنهل من معينها كالظامئ الذي لا يرتوي، وما لبث لهذا الشغف العميق بالعلم إلا أن انتقل إلى شقيقها الصغير أحمد الذي لم يكن يتجاوز الرابعة من عمره حين توفي عنه والده، فاهتمت به تلك الفتاة الصغيرة اهتماماً كبيراً، وأخذت على عاتقها أن تغرس فيه حب العلم أسوة بأبيهما حتى غدا هذا الصبي الصغير علماً من أعلام الدين، وأضحى إمام الحفاظ والمحدثين، إنه الإمام ابن حجر العسقلاني الذي كان كثيراً ما يشيد بدور أخته في تربيته وتعليمه، فكان يقول عنها:" وهي أمي بعد أمي ... كانت بي بره، رفيقة محسنة، فلقد انتفعت بها وبآدابها مع صغر سنّها".

وكانت إلى جوار علمها معروفة بالذكاء، وسرعة البديهة، وكثرة القراءة والمطالعة في أمهات الكتب التي اُشتهر بها عصرها، حتى قال عنها أخوها الإمام :"كانت قارئة كاتبة أعجوبة في الذكاء"وكما أنها كانت المربية الفاضلة والمعلمة الماهرة في بيت أبيها، فإنها كانت كذلك في بيت زوجها شمس الدين محمد بن السراج بن عبد العزيز الخروبي الذي رُزقت منه بمحمد  وفـوز  ، فأحسنت إليهما، واهتمّت بتثقيفهما، فنشآ على حبذ العلم ومعرفة فضله وبرعا فيه وأجاز لهما جماعة من أعيان عصرهما .

    لكن هذا الذكاء كان يأكل من شباب ست الركب كما يأكل السيف من الغمد، فوافتها المنية، وهي في ريعان الشباب لم تتجاوز بعد الثلاثين من عمرها، وذلك سنة تسع وثمانين وسبعمائة من الهجرة(1) .

 

                                                                               بقلم

                                                                          د. شادن أبو صالح

 

 

 

 

 (1)  انظر: ابن حجر العسقلاني: إنباه الغمر، 2/302، دار الكتب العلمية، وابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب، 9/603، دار ابن كثير ، وعمر رضا كحالة: 2/154، مؤسسة الرسالة .