بحث عن بحث

 

(فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات) (1-3)

 

الحمد لله الواحد القهار ، العزيز الغفار ، مكور الليل على النهار ، تذكرة لأولي القلوب والأبصار ، أحمده حمداً كثيراً ملء أرضه وسماه .

وأشهد أن لا إله إلا الله البر الكريم ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، الهادي إلى الصراط المستقيم وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ،. أما بعد  :

فقد قال الله تعالى ( ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون )(1) وهذا تصريح بأنهم خلقوا للعبادة ، فحق عليهم الاعتناء بما خلقوا له والإعراض عما سواه ، وبذلك يكون كل من اشتغل بغير ما خُلق له في خسارة لقوله تعالى ( والعصر إن الإنسان لفي خسر ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ).

ولقد أحسن القائل :

      إن لله عباداً فطنـــــــاً        *    طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا

     نظروا فيها فلما علموا    *    أنها ليست لحي وطنـــــاً

     جعلوها لجة واتخذوا      *     صالح الأعمال فيها سفناً

 

فإذا كان الأمر كذلك فحق على المكلف أن يتخذ هذه الدار مزرعة للآخرة فاليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل قال سبحانه ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ، وأن سعيه سوف يرى )(2) .

قال سبحانه داعياً عباده إلى المسارعة إلى الخيرات للظفر بأعلى الجنات ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم )(3).

وقال سبحانه ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين )(4) . وقال أيضاً ( فاستبقوا الخيرات )(5).

ولهذا حث رسول الله صلى الله عليه وسلم  أصحابه على العمل بقوله ( إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة - أراه - فوقه  عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة )(6) فإن سؤال الفردوس والتطلع لها يدعو إلى شدِّ الهمة والمسارعة إلى العمل .

ولعل مما يُعين على إدراك هذا المعنى ما لو نشد الطالب التفوق والحصول على أعلى الدرجات فإنه لا بد وأن يبذل المزيد من وسعه ليظفر بما قصد أو قريباً منه ، وأما إذا نشد الطالب السداد والنجاح فقط فإنه باذل أقل الوسع وقد يظفر بما قصد وغالباً ما يخسر .

 

لماذا المسارعة إلى الخيرات ؟

 

الإنسان لا يخلو من عمل أو شاغل وهذا العمل إما يقربه من الله أو يبعده منه سبحانه قال ابن القيم رحمه الله :[ إن لم يكن العبد في تقدم فهو في تأخر ولا بد فالعبد سائر لا واقف ؛ فإما إلى فوق وإما إلى أسفل ، وإما إلى أمام ، وإما إلى وراء ، وليس في الطبيعة ولا في الشريعة وقوف البتة . ما هو إلا مراحل تطوى أسرع طي إما إلى الجنة أو إلى النار ، فمسرع ومبطىء ، ومتقدم ومتأخر ، وليس في الطريق واقف البتة ، وإنما يختلفون في جهة المسير وفي السرعة ولبطء ( إنها لإحدى الكبر نذيراً للبشر ، لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ) ولم يذكر واقفاً إذ لا منزل بين الجنة والنار ولا طريق لسالك غير الدارين البتة ، فمن لم يتقدم إلى هذه بالأعمال الصالحة فهو متأخر إلى تلك بالأعمال السيئة ] . 

كما إن الإنسان لا يخلو من الشواغل وهي تزيد ولا تنقص ولهذا قال صلى الله عليه وسلم (اغتنم خمسا قبل خمس : شبابك قبل هرمك و صحتك قبل سقمك و غناك قبل فقرك و فراغك قبل شغلك و حياتك قبل موتك)(7) ، كما أن الإنسان لا يسلم من العوارض التي تعرض له فتقطعه عن العمل قال عليه الصلاة والسلام ( بادروا بالأعمال سبعاً ، هل تنتظرون إلا فقراً منسياً ، أو غنىً مطغياً ، أو مرضاً مفسداً ، أو هرماً مُفنداً ، أو موتاً مُجهزاً ، أو الدجال فشرُّ غائب يُنتظر ، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر )(8) .

قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى :[ قد يكون الإنسان صحيحا ولا يكون متفرغا لشغله بالمعاش ، وقد يكون مستغنيا ولا يكون صحيحاً ، فإذا اجتمعا فغلب عليه الكسل عن الطاعة فهو المغبون ، وتمام ذلك أن الدنيا مزرعة الآخرة وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة ، ومن استعمل فراغه وصحته في طاعة الله عز وجل فهو المغبوط ، ومن استعملها في معصية الله فهو المغبون ؛ لأن الفراغ يعقبه الشغل ، والصحة يعقبها السقم ، ولو لم يكن إلا الهرم لكفى ].


 


(1) سورة الذاريات آية 56و57

(2) سورة النجم آية

(3) سورة الحديد آية 21

(4) سورة آل عمران آية 133 .

(5) سورة البقرة آية 148 .

(6) أخرجه البخاري باب درجات المجاهدين في سبيل الله ح2637-3/1028 .

(7) أخرجه الحاكم ك الرقاق ح7846-4/341 قال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي .

(8) أخرجه الترمذي باب المبادرة بالعمل ح2306-4/552 قال الألباني : ضعيف .في السلسلة الضعيفة ح1666 .