بحث عن بحث

 

 القيم في ضوء سورة الكهف  ( 3-5)

 

 

أما القسم الأول: الانطلاق والبحث عن العبد الصالح

فقد قال الله تعالى (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (61) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آَتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا (64) )

أوضحت لنا السنة النبوية سبب رحلة موسى عليه السلام ، وأنه كان عتاب الله سبحانه وتعالى لنبيه موسى عليه السلام عندما سُئل هل في الأرض أحد أعلم منك؟ قال: لا ، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه سبحانه.

بالنسبة لمعاتبة موسى عليه السلام هناك احتمالان :

إنه نسي رد الأمر إلى الله سبحانه وتعالى , كما نسي غيره من الأنبياء والمرسلين:

كما نسي آدم عليه الصلاة و السلام , ونسي سليمان عليه السلام , ونسي محمد صلى الله عليه وسلم  .

(وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً)

لذا جاء هذا التنبيه أو العقاب الدنيوي حتى يقوم الأمر ويعدله , لأن الأنبياء أقوالهم أفعالهم وإقرارهم تشريعاً.

إن موسى عليه السلام عندما نفى أن يكون من الناس من هو أعلم منه .

إنما قصد الناس من أمته من بني إسرائيل وفي أمور الشرائع التي كلف بها ومن عند العلماء أن الرسول أعلم الناس بأمور الشرائع المنزلة عليه .

إلا أن الصلة القلبية للأنبياء بمصدر الوحي والعلوم الربانية تعطي لدائرة المدارك أفقا أوسع ودقة أبلغ , فكان العتاب الإلهي لأن صيغة  التعيير جاءت عامة من غير تخصيص ومطلقة من غير تقييد .

قال تعالى : (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ....)

أي لا أزال مسافراً وإن طالت عليّ الشقة , و لحقتني المشقة حتى أصل إلى مجمع البحرين وهو المكان الذي أوحي إليه أنك ستجد فيه عبداً من عباد الله العالمين عنده من العلم ما ليس عندك .

( أو أمضي حقباً )

أي مسافة طويلة : والمعنى أن الشوق والرغبة حمل موسى أن قال لفتاه هذه المقالة , وهذا عزم منه جازم فذلك أمضاه .

(فَلَمَّا بَلَغَا) أي هو وفتاه

(مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبا) وكان معهما حوت يتزودان منه ويأكلان وقد وعد أنه متى  فقدت الحوت فثم ذلك العبد الذي قصدته , فاتخذ ذلك الحوت سبيله , أي طريقه في البحر سربا .

(آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً)

أي لقد تعبنا من هذا السفر , ولم يشعر بالتعب إلا بعد أن تجاوزا غايتهما , فالشوق المتعلق بالوصول إلى ذلك المكان سهّل لهما الطريق .

(قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ....)

أي ألم تعلم حين آوانا الليل إلى تلك الصخرة المعروفة بيننا .

(فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ) أي انسرب الحوت في البحر .

(فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً)أي رجعا يقتفيان أثرهما إلى المكان الذي لقيا فيه الحوت فلما وصلا إليه وجدا عبدا من عبادنا وهو الخضر .

نستشف من افتتاحية الفقرة أن موسى عليه السلام كان قد تلقى أمرًا من ربه للذهاب إلى العبد الصالح ليتعلم منه بدليل هذا الجزم والتصميم (لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً) لو لم يكن الأمر واجبًا عليه فكان له في بني إسرائيل ما يشغله , ولما كان له أن يتركهم أحقابا من الزمان , وإذا أدركنا أن الحقب :فسر بالدهر , والحقبة الواحدة تبلغ ثمانين عاما وقيل أكثر

إذا علمنا ذلك علمنا أنه لا يكون ذلك إلا عند تكليف تكلف به .

وجود الحوت معهم : بينت السنة أنه جعل أمارة البلوغ واللقاء .

القصة مليئة بالمفاجئات وخوارق العادات التي تزيد جانب قصور العلم البشري و إحاطة المشيئة الإلهية وتصريف الشؤون .

الفتى مكلف بالخدمة والحراسة ومرافقة الحوت في المكتل .

نسي الفتى يوشع بن نون عودة الحياة إلى الحوت وخروجه إلى البحر وبقاء السرب في البحر  .

لا يشعران بالتعب والحاجة إلى الراحة والطعام إلا بعد مضي بقية اليوم وليلة كاملة من الحادثة .

عادا أدراجهما واستدلا على الصخرة التي أويا إليها بالنفق الذي تركه الحوت كالطاق في البحر وتماسك الماء عن الجريان عليه بمشيئة الله تعالى (فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً) .

العظات والعبر من فقرة الانطلاق والبحث عن العبد الصالح :

مشروعية الرحلة في طلب العلم .

من الأدب الإسلامي التلطف مع الخدم والعبيد , ومناداتهم بالأسماء المحببة .

وفي الحديث ( لا يقل أحدكم عبدي وأمتي وليقل فتاي وفتاتي )

في اصطحاب موسى عليه السلام لفتاه مشروعية اتخاذ الرفيق للاستئناس والإستعانة به عند الحاجة .

من شرط الرفقة في السفر أن يكون أحدهم أميرًا , وعلى الأمير أن يعلم صحبه عزيمته ومقصده ويخبر عن مدة مكثه في سفره / وفيه جواز التزود بوسائل الزاد وألوان الطعام عند السفر .

مما ينظم شؤون السفر ويخفف الأعباء ويزيد التلاحم والترابط بين المسافرين توزيع الأدوار والمهمات إلا أن الجميع يتضامنون في تحمل المسؤولية ولو كان الخطأ أو النسيان من فرد واحد , لذا نسب النسيان إلى موسى وفتاه وان كان حصوله من الفتى (فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا) .

في نسيان الفتى حادثة عودة الحياة إلى الحوت , وانسلاله من المكتل واتخاذ السرب في البحر وعدم جرية الماء على هذا السرب وكلها خوارق في هذا النسيان , تنبيه رباني على أن كسب العلم لا يتم إلا بإرادة الله ومشيئته , كما أن ثبوته وبقاءه لدى الإنسان لا يتم إلا بإرادته ومشيئته مهما بذل الإنسان من جهد وحرص على ذلك .

في نسبة النسيان إلى الشيطان أدب قرآني رفيع وهو تنزيه الله تعالى عن إسناد فعل المكروهات والمحقرات وغير ذلك إليه , علما أن الفاعل الحقيقي لكل ذلك هو الله سبحانه وتعالى , لا خالق ولا فاعل على الحقيقة سواه , وهو من قبيل (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) .