بحث عن بحث

 

القيم في ضوء سورة الكهف  (4 -5)

 

اللقاء والحوار

لماذا قال الخضر لموسى عليه السلام  ( إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً).

بيان أن المجال الذي يعمل فيه – تنفيذًا لأوامر ربه – غير المجال الذي كلف به موسى عليه السلام لأداء الرسالة , ولكي لا يتوهم موسى أنه يتهمه بالقصور أو العجز فأسرع إلى بيان السبب بأن هذا ليس مما كلف به موسى والأنبياء المرسلون الآخرون , فإن لم يصبر عليها موسى فليس مؤاخذًا ولا متهما بالتقصير – أي تبريرًا و إعذارًا مسبقًا لموسى إن لم يصبر -  .

هو أن الخضر اختار الكلمات والأسلوب قصدًا إلى التعليم و إبراز مكانة العلم وعزته , لذا جاء قوله مؤكدًا بخمس مؤكدات :

إن المفيدة للتوكيد .

لن والنفي بها آكد من النفي بغيرها من أدوات النفي .

العدول عن لن تصبر إلى قوله ( لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً) وذاك يفيد نفي الصبر بطريق برهاني فكأنه قال له : إني مطلع على أحوالك وقدرتك على الاحتمال فوجدتك بعد المعاتبة أنك لن تستطيع الصبر .

تنكير (صَبْراً) في سياق النفي , والنكرة في سياق النفي تفيد العموم فكأنه قال : لا تصبر معي أصلاً شيئًا ولو يسيرًا من الصبر .

ثم تعليل عدم الصبر بعدم إحاطته بهذه الأمور مؤكدٌ خامس .

ولعل ما تقدم في الحديث الصحيح من دوافع الخروج ونقاط الحوار بينهما رجح المذهب الثاني .  

قال تعالى (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70) )

 

أي أعطاه الله رحمة خاصة بها زاد علمه وحسن عمله ( وعلمناه ) من لدنا أي من عندنا علمًا , وكان قد أعطي من العلم ما لم يعطى موسى , وإن كان موسى عليه السلام أعلم منه بأكثر الأشياء وخصوصًا في العلوم الإيمانية والأصولية لأنه من أولي العزم من الرسل فلما اجتمع به موسى قال له على وجه الأدب والمشاورة والإخبار عن مطلبه :

(( هل أتبعك على أن تعلمني مما علمك الله ما به أسترشد وأهتدي , وأعرف به الحق في تلك القضايا )) .

وكان الخضر قد أعطاه الله من الإلهام ما به يحصل له الإطلاع على بواطن كثير من الأشياء التي خفيت , حتى على موسى عليه السلام .

فقال الخضر : لا مانع ولكن لن تستطيع معي صبرًا , أي لا تقدر على إتباعي وملازمتي لأنك ترى مالا تقدر على الصبر عليه من الأمور التي ظاهرها المنكر وباطنها غير ذلك

ولهذا قال : (وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً)

فقال موسى : (سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً) وهذا عزم منه قبل أن يوجد الشيء الممتد به , والعزم شيء ووجود الصبر شيء آخر .

فقال له الخضر : لا تبتدئني بسؤال منك وإنكار حتى أكون أنا الذي أخبرك بحاله , في الوقت الذي ينبغي إخبارك به فنهاه عن سؤاله ووعده أن يوقفه على حقيقة الأمر .