بحث عن بحث

 

الحلقة (44) الظــــــن بمن سلم من الأنام

في ضوء الكتاب والسنة(6-15)

 

 

آثار ظن السوء:

ظن السوء له آثار خطيرة وجسيمة على الفرد والمجتمع والأمة، ومن هذه الآثار:

1-العداوة والبغضاء: وهو أمر عظيم وخطير، حيث أن إساءة الظن توجب بغض المظنون به وعداوته والمرء مأمور بخلافها.

وفي هذا يقول الشيخ عبد الرحمن ناصر السعدي(1) –رحمه الله-: ((نهى الله عن كثير من الظن السيئ بالمؤمنين حيث قال تعالى: (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) وذلك كالظن الخالي من الحقيقة والقرينة، وكظن السوء الذي يقترن به كثير من الأقوال والأفعال المحرمة، فإن بقاء ظن السوء بالقلب لا يقتصر صاحبه على مجرد ذلك، بل لا يزال به حتى يقول ما لا ينبغي ويفعل ما لا ينبغي وفي ذلك أيضاً إساءة ظن بالمسلم وبغضه وعداوته المأمور بخلافها منه)) (2)

نعم المأمور هو الولاية والمحبة فيما بين المؤمنين، فالمؤمن ولي المؤمن كل واحد منهما يحب الآخر، وينصره، ويتعاون معه، ولا يدعي عليه دعوى باطلة، هكذا المؤمنون والمؤمنات أولياء(3) .

ولا يجوز تحكيم الهوى المجرد، والظنون الباطلة الناتجة عن وهم وحدس في هذا المبدأ ألا وهو الولاء و البراء، بل يجب تحكيم دين الله في كل شيء.

يقول الشيخ ابن باز (4) –رحمه الله-: (يجب على المسلم أن يتمسك بالإسلام كله، وأن يحذر أسباب الفرقة والإختلاف في جميع الأحوال، فعليك أن تحكم شرع الله.. مع العدو والصديق..، دين الله يجب أن يحكم في كل شيء، وإياك أن توالي أخاك ،لأنه وافقك في كذا، وتعادي الآخر لأنه خالفك في رأي أو مسألة، فليس هذا من الإنصاف فالصحابة –رضي الله عنهم-اختلفوا في مسائل، ومع ذلك لم يؤثر ذلك في الصفاء بينهم والموالاة والمحبة، فالمؤمن يعمل بشرع الله ويدين بالحق ويقدمه على كل أحد بالدليل، ولكن لا يحمله ذلك على ظلم أخيه، وعدم إنصافه إذا خالفه في الرأي في مسائل الاجتهاد التي قد يخفى دليلها)(5)  .

2-تفويت المنفعة: فمن ظن بأحد سوء وكان الآخر ذا علم وفضل ترك الاستفادة منه، مما يفوت عليه منفعته،فيخسر الانتفاع بمن ظنه ضاراً ، أو الاهتداء بمن ظنه ضالاً، أو تحصيل علم ممن ظنه جاهلاً ونحو ذلك(6)  .

3-الضيق والحزن: فظن السوء يؤدي إلى الضيق والحزن فالإنسان الذي يسيء الظن هو الذي يتضايق ويحزن .

وذلك قد يمثل فيما لو مثلاً نظر أحدهم للآخر نظرة غريبة أو لم يبال حين سلم عليه، أو لم يأت منزله أو نحو ذلك، فيظن الآخر أنه كاره له... أو نحو ذلك من الظنون فيضيق ويحزن ، فحسن الظن يؤدي إلى طمأنينة القلب بعكس سوء الظن(7)  .

4-القطيعة: فظن السوء يؤدي إلى الشقاق والخلاف والقطيعة في صفوف المسلمين، وقد حذرنا الله من ذلك فقال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)[آل عمران:1]

فلا ينبغي أن يجعل لسوء الظن سبيلاً للتفرقة بين أفراد الأمة.

وقد حذرنا من ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقال: (تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء) (8) .

وهذا الأمر له خطورته فيما لو كان المظنون به امرءاً مسلمًا فحسب، ولكن يزداد الأمر خطورة فيما لو كان المظنون به من ذوي الأرحام والأقارب، وقد أمرنا الله بصلة الأرحام فقال تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1] وحذرنا من قطيعتها فقال تعالى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) [محمد: 22، 23] وقال الرسول صلى الله عليه وسلم  (لا يدخل الجنة قاطع رحم) (9) .

يتبع آثار ظن السوء

  


(1) عبد الرحمن ناصر السعدي: هو ابو عبد الله عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله آل سعدي من قبيلة تميم ولد في عنيزة عام 1307هـ.  من مصنفاته: تسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ارشاد أولي البصائر  والألباب لمعرفة الفقه بأقرب الطرق وأيسر الأسباب، الدرة المختصرة في محاسن الإسلام وفاته 1376هـ و(تفسيره: 1/5 معجم المؤلفين 13/396).

(2) تيسير الكريم الرحمن: 7/137.

(3)  اخلاق المؤمنين و المؤمنات شريط لابن باز.

(4)  عبد العزيز بن باز: هو أبو عبد الله عبد العزيز  بن باز  ولد في الرياض 1330هـ من مشايخه: محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ، سعد بن محمد العتيق وهو رئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء اليوم من مؤلفاته: الفوائد الجلية في المباحث الفرضية، التحذير من البدع،، العقيدة الصحيحة وما يضادها (المم الشيخ عائض القرني).

(5)  مجموع فتاوى ومقالات 346 – 347 بإختصار .

(6) تفسير التحرير والتنوير. 26/251.

(7) انظر الحزن والاكتئاب على ضوء الكتاب والسنة: 4-41.

(8)  مسلم : كتاب البر والصلة  والآداب باب النهي عن الشحناء 16/122، 35-36.

(9) البخاري: كتاب الأدب، باب إثم القاطع 10/414، 5984، مسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها 16/113-114، 18-19