بحث عن بحث

الظــــــن بمن سلم من الأنام

في ضوء الكتاب والسنة(7-15)

 

 

تابــع آثار ظن السوء

5-الغيبة والنميمة: والغيبة أمر يترتب على سوء الظن في كثير من أحيانه، وقد ذكر الله في آية الحجرات إساءة الظن وأردف بالنهي عن الغيبة.

فقال تعالى: (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) [الحجرات: 12].

وفي هذه الآية يقول ابن القيم(1)  –رحمه الله-: (هذا من أحسن القياس التمثيلي فإنه شبه تمزيق عرض الأخ بتمزيق لحمه،ولما كان المغتاب عاجزاً عن دفعه عن نفسه بكونه غائباً عن مجلس ذمه، كان بمنزلة الميت الذي يقطع لحمه ولا يستطيع أن يدفع عن نفسه ولما كان مقتضى الأخوة التراحم والتواصل والتناصر، فعلق عليها المغتاب ضد مقتضاها من الذم والعيب والطعن: كان ذلك نظير تقطيع لحم أخيه، والأخوة تقتضي حفظه وصيانته والذب عنه.

ولما كان المغتاب متمتعاً بعرض أخيه متفكها بغيبته وذمه، متحلياً بذلك شبه بآكل لحم أخيه بعد تقطيعه...) (2) .

وقال الرسول الله صلى الله عليه وسلم : (أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، فقيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ فقال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته) (3).

وكذا سوء الظن يؤدي إلى نشر النميمة، فهذا يظن ظناً مشيناً يسير به بين الناس. وأمر النميمة خطير جداً وقد حذرنا الله منها فقال تعالى: (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيم) [القلم: 10-11] وقال الرسول صلى الله عليه وسلم   ((لا يدخل الجنة نمام)) (4) .

6-التحقير والسخرية: وهو أثر آخر لإساءة الظن فيسيء الظن ثم يحتقر ويسخر متناسياً إثم ذلك ومغبته، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ) [الحجرات: 11]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم  (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم)) (5).

7-التحسس والتجسس:  أمر قد يكون الحركة التالية للظن، وقد يكون حركة ابتدائية لمن كانت هوايته البحث عن الاستار والكشف عن العورات –والعياذ بالله-

والله تعالى نهى عن هذا العمل الدنيء فقال تعالى: ((وَلَا تَجَسَّسُوا)) [الحجرات: 12].

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم  : (يا معشر من أسلم بلسانه، ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في  جوف رحله) (6)  وفي هذا الحديث وعيد شديد لمن كان هذا ديدنه وسلوكه.

كما قد ورد عن السلف الصالح –رضوان الله عليهم-ما يدل على عنايتهم باجتناب هذا الأمر ،فعن ابن مسعود(7)  رضي الله عنه  أنه أتي برجل، فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمراً، فقال عبد الله: (قد نهينا عن التجسس ولكن  إن يظهر لنا شيء نأخذ به)(8) .

8-شيوع الفاحشة: وذلك أن كثرة الحديث عن الفواحش والذنوب والآثام، وإن كانت غير صحيحة وإنما مبناها على ظنون وأوهام  هي سبب كبير في تفشى الفاحشة وشيوعها.

فلا يزال يتكرر حديث الفحش حتى يصبح أمراً مألوفاً لا يستنكره أحد، بل قد يزيد حتى يستمرئ الحديث .

ولذا كان موقف السنة حاسماً من المجاهرة بالفواحش والذنوب فقال الرسول صلى الله عليه وسلم  : (كل أمتي معافى إلا المجاهرون) (9) ، وما كان ذلك التوعد إلا لعظم خطره ، وكبير أثره .

9-الطعن في الأنساب وانتهاك الأعراض: وهكذا فإن الظنون الواهية قد تصبح سبباً في الطعن في الأنساب، وانتهاك الأعراض فبين يوم وليلة؛ قد يصبح المرء متهم في عرضه، مقدوح في نسبه ، وما ذاك إلا لأنه في اليوم الأول قال فلان: أظن فلاناً زانياً، أو خبيثاً، وفي اليوم التالي: أصبح ذاك يقيناً.

وهكذا يتناسى الناس ويتغافلون عن هذه الجرائم، تاركين المنهج السديد، قال الرسول صلى الله عليه وسلم  : (اثنتان هما بالناس كفر: الطعن في النسب، والنياحة عل الميت) (10)  .

وقال عليه الصلاة والسلام: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا) (11)  .

ومن كان هذا صنيعه فأين هو من هذا المنهج السديد –والله المستعان-

 

يتبع آثار ظن السوء


(1) ابن القيم: هو محمد بن أبي بكر بن أيوب ثم الدمشقي الحنبلي ولد سنة 691 وله مؤلفات عديدة منها زاد المعاد في هدي خير العباد، إغاثة اللهفان من مكايد الشيطان أعلام الموقعين وغيرها (معجم المؤلفين 9/106) (البداية والنهاية 7/246)

(2) أعلام الموقعين 1/169-170ـ.

(3)  مسلم كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الغيبة 16/142، 70.

(4) مسلم كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم النميمة 1/142، 168.

(5) مسلم كتاب البر والصلة والآداب ، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله 16/120-32.

(6) صحيح الترمذي: كتاب البر، باب ما جاء في تعظيم المؤمن 2/200، 1655.

(7) ابن مسعود: هو عبد الله بن مسعود يكنى أبا عبد الرحمن، أسلم قبل دخول الرسول –×-دار الأرقم، وهاجر إلى الحبشة الهجرتين، وشهد بدراً والمشاهد كلها، وكان صاحب رسول الله –×-ووساده وسواكه ونعليه وكان عالماً، مات سنة 32هـ (صفة الصفوة 1/395).

(8) تفسير ابن كثير 60/379.

(9) البخاري: كتاب الأدب، باب ستر المؤمن عن نفسه 10/486، 6069. مسلم كتاب الزهد، باب النهي عن هتك الإنسان ستر نفسه 18/119، 52.

(10) مسلم: كتاب الإيمان، باب إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب والنياحة 1/57، 121.

(11) البخاري: كتاب التوحيد. باب قول الله تعالى (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) 13/424 ، 7447، مسلم : كتاب القسامة. باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال 11/170، 30.