بحث عن بحث

الظــــــن بمن سلم من الأنام

في ضوء الكتاب والسنة(14-15)

 

  علاج المظنون به       

الأمر الأول (التقوى)

فمن اتقى الله جعل له مخرجاً من مضائق الدنيا ومضائق الآخرة، فالتقوى باب لتفريج كل الكرب، ومنها كربة الظلم والبهتان؛ قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا)[الطلاق: 2].

 

الأمر الثاني: (الصبر والاحتساب)

الحياة الدنيا دار ابتلاء وفناء، والآخرة هي دار الجزاء والبقاء، وقد قال تعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُون)[العنكبوت:2].

وقد حثنا الله على مقابلة هذا الابتلاء بالصبر والثبات والاحتساب، وعدم الجزع أو السخط أو الانحراف.

ولا بد من العلم الجازم بأن لله تعالى حكما عظيمة في هذا الابتلاء ،وفي هذا يقول ابن القيم–رحمه الله-: (وإذا تأملت حكمته –سبحانه- فيما ابتلى به عباده وصفوته ، بما ساقهم به إلى أجل الغايات، وأكمل النهايات التي لم يكونوا يعبرون إليها إلا على جسر من الابتلاء والامتحان .

وكان ذلك الابتلاء والامتحان عين المنهج في حقهم والكرامة ،فصورته صورة ابتلاء وامتحان، وباطنه فيه الرحمة والنعمة، فكم لله من نعمة جسيمة ومنة عظيمة، تجنى من قطوف الابتلاء ولامتحان) (1)

فالابتلاء للمؤمن كالدواء له ،يستخرج منه الأدواء، وتظهر به عبوديته وذله لله وانكساره له وافتقاره إليه(2) . الأمر الثالث: (الدعاء)

وهذا سبب عظيم لحصول المطالب والمقاصد، يغفل عنه كثير من الناس،فالله أمرنا بالدعاء وواعدنا بالاستجابة فقال –عز من قائل-(وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم)[غافر: 60].

 

الأمر الرابع: (مقابلة من أساء بالحسنى)

وفي هذا الأمر يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي(3)  –رحمه الله-: ((ولما كان المجتمع لا يسلم فرد من أفراده كائناً من كان من مناوىء يناؤه ، ومعاد يعاديه، من مجتمعه الإنسي والجني، ليس يخلو من ضد ولو حاول العزلة في رأس الجبل، وكان كل فرد محتاجاً إلى علاج هذا الداء الذي عمت به البلوى، أوضح –تعالى-علاجه في ثلاثة مواضع من كتابه بين فيها أن علاج مناوأة الإنسي هو: الإعراض عن إساءته، ومقابلتها بالإحسان، وأن شيطان الجن لا علاج لدائه إلا الاستعاذة بالله من شره.

الموضع الأول: قوله تعالى في أخريات الأعراف في الإنسي: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين)[الأعراف: 169].

الموضع الثاني: في سورة المؤمنين قال فيه في الآية : ((ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ))[المؤمنون: 96].

الموضوع الثالث: في فصلت وقد زاد فيه تعالى التصريح بأن ذلك العلاج السماوي يقطع ذلك الداء الشيطاني، وزاد فيه أيضاً أن ذلك العلاج السماوي لا يعطي لكل الناس بل لا يعطاه إلا صاحب النصيب الأوفر والحظ الأكبر قال فيه في الآية: ((ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ))[فصلت:34] ومن عمل ذلك حصل على خير كثير))(4) .

وقال الشيخ عبد الرحمن ناصر السعدي–رحمه الله-: (ولما كان لا بد للعبد من أذية الجاهلين له بالقول أو الفعل، أمر الله بالإعراض عنهم ، وعدم مقابلة الجاهلين بجهلهم، فمن آذاك بقوله أو فعله فلا تؤذه، ومن حرمك فلا تحرمه، ومن قطعك فصله، ومن ظلمك فاعدل معه.

فبذالك يحصل لك من الثواب من الله، ومن راحة القلب وسكونه، ومن السلامة من الجاهلين، ومن انقلاب العدو صديقاً، ومن التبوء من مكارم الأخلاق أعلاها أكبر حظ، وأوفر نصيب) (5).

الأمر الخامس: (التأسي بمن قد سلف):

من أنفع الأمور للمبتلى بهذا الأمر ،أو ما سواه من الابتلاءات ،التأسي بمن سبق وسلف.

وليعلم أنه ما من قرية أو مدينة، بل ولا في أي بيت من لم يصب، بل لابد أن يكون هناك من أصيب، فمنهم من أصيب مرة، ومنهم من أصيب مراراً ؛وليس ذلك بمنقطع حتى يأتي على الجميع.

حتى نفس المصاب، فيصاب أسوة بأمثاله ممن تقدمه، فإنه إن نظر يمنة فلا يرى إلا محنة، وإن نظر يسرة فلا يرى إلا حسرة، فلو علم المصاب أنه لو فتش العالم لم ير فيهم إلا مبتلى، أما بفوات محبوب أو حصول مكروه، فسرور الدنيا أحلام نوم، أو كظل زائل، إن أضحكت قليلاً أبكت كثيراً، إن  علم ذلك سلت نفسه وتصبرت(6).

فإن الله ابتلى آدم ونوحاً وموسى  وعيسى ومحمد –صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-فلما صبروا مكنهم ،فلا يظن أحد أنه يخلص من الألم البتة وهذا أصل عظيم ينبغي معرفته(7)

وقد ابتلي بهذا الأمر خاصة كثير ممن هم من خير هذه الأمة، مما يوجب التسلية والصبر والتعزية.

يتبع نماذج ممن رُمي بالسوء


(1)  مفتاح دار السعادة: 1/299-301 بتصريف يسير

(2)   إغاثة اللهفان: 2/148-149.

(3)  محمد الأمين الشنقيطي: اسمه محمد الأمين ولقبه: آبا، واسم أبيه: محمد المختار بن عبد القادر بن محمد بن المختار، ولد عام 1325هـ من القطر المسمى شنقيط وهو دولة موريتانيا الإسلامية الآن، درس في المسجد النبوي، وكان أحد هيئة كبار العلماء، وكان عضو المجلس التأسيسي للرابطة، من مؤلفات: مذكرة الأصول على روضة الناظر، رفع إيهام  الاضطراب من آي  الكتاب، ومنع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز توفي 1393هـ (أضواء البيان الجزء 1)

(4)  الإسلام دين كامل: 6.

(5)   تيسير اللطيف المنان: 42-43.

(6)  انظر: تسلية أهل المصائب: 20-21.

(7)  انظر الفوائد: 154-155.