بحث عن بحث

لا تتبتلوا

 

عن سعد بن أبي وقاص- رضي الله عنه- قال: (ردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له، لاختصينا). رواه البخاري ومسلم.(1)

قال الطبري(2): التبتل الذي أراده عثمان بن مظعون؛ تحريم النساء والطيب وكل ما يتلذَّذُ به فلهذا أنزل في حقه: (يَا أَيُّهَا الَّذِين آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) المائدة: 87.

إن منهج التبتل والانقطاع للعبادة والابتعاد عن المشاركة في عمران الأرض وعن الانتفاع بما خلق الله تعالى فيها من الطيبات والخيرات هو منهج يرفضه الإسلام ويأباه، بل إن الإسلام يعتبر ذلك هروباً من حمل الأمانة التي طلب الإنسان أن يحملها دون بقية مخلوقات الله تعالى.

ورغم نهي الإسلام عن سلوك هذا الطريق-العزوف عن الزواج- نجد كثير من المسلمين اليوم من يسير عليه ويدعو إليه لأسباب مختلفة دينية(زعموا) أو دنيوية.

وقد حذر السلف الصالح رحمهم الله من هذه الطريقة قال عمر بن الخطاب لأبي الزوائد‏:‏ إنما يمنعك من التزويج عجز أو فجور، أخرجه ابن أبي شيبة وغيره.(3)

وإذا كان سبب العزوف ظروف المعيشة القاسية وقلة ذات اليد فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ثلاث حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف. رواه الترمذي.(4)

وقال أبو بكر الصديق- رضي الله عنه-: (أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح، ينجز لكم ما وعدكم من الغنى).(5)

وأما إذا كان السبب الهروب من تحمل المسؤولية وأعباء أسرة-من رعاية ونفقة وتربية- فهذا إهمال لأوامر الشرع، ومخالفة لسنة الأنبياء والمرسلين الذين أمرنا الله بإتباعهم والإقتداء بهم، كما أنه تضيِّيع لأجر عظيم؛ فبالزواج يكسب الفرد الأجر والثواب الجسيم قال عليه الصلاة والسلام: (إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في امرأتك) متفق عليه.(6)

فبادر أخي المسلم وأختي المسلمة إلى الزواج مادام في العمر بقية امتثالا لأمر الله تعالى وطمعاً بما عنده، قال ابن مسعود: لو لم يبق من أجلي إلا عشرة أيام وأعلم أني أموت في آخرها يوماً ولي طول النكاح فيهن لتزوجت مخافة الفتنة. 


(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: النكاح، باب: ما يكره من التبتل والخصاء، رقم: 4786، ج: 5/1952. ومسلم في صحيحه، كتاب: النكاح، باب: استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنه واشْتغال من عجز عن المؤن بالصوم، رقم: 1402، ج:2/1020.

(2) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تأليف: أبي جعفر محمد بن جرير الطبري(7/12).

(3) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب النكاح، في التزويج من كان يأمر به ويحث عليه، رقم: 15910، ج3/453. وعبد الرزاق في مصنفه، كتاب: النكاح، باب: وجوب النكاح وفضله، رقم: 10384، ج6/170. وسعيد بن منصور في سننه، كتاب: الوصايا، باب: الترغيب في النكاح، رقم: 491، ج1/164.

(4) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، رقم: 7410، ج 2/251. والترمذي في سننه، كتاب: فضائل الجهاد، باب: بَاب ما جاء في الْمُجَاهِدِ وَالنَّاكِحِ وَالْمُكَاتَبِ وَعَوْنِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ، رقم: 1655، ج 4/184، وقال: هذا حديث حسن، وابن حبان في صحيحه، كتاب: النكاح، ذكر معونة الله جل وعلا القاصد في نكاحه العفاف والناوي في كتابته الأداء، رقم: 4030، ج 9/339، والحاكم في المستدرك، كتاب: النكاح، رقم: 2678، ج 2/174، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وابن ماجه في سننه، كتاب: العتق، باب: المكاتب، رقم: 2518، ج 2/841. والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب: النكاح، باب: رغبة في النكاح، رقم: 13234، ج 7/78. وعبد الرزاق في مصنفه، كتاب: الجهاد، باب: فضل الجهاد، رقم: 9542، ج 5/259.

(5) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ج 8/2582، رقم: 14449.

(6) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب:ما جاء أن الأعمال بالنية، وقم: 56، ج1/30. ومسلم، كتاب الوصية، باب: الوصية بالثلث، رقم: 1628، ج3/1251.