بحث عن بحث

 

منهج الإسلام في تفادي المشكلات الزوجية وحلها ( 6 - 6 )

 

سادساً/ اتخاذ عدة خطوات لتأديب المرأة:

قال الله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً {34} وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً{35}}النساء(1) .

والنشوز هو العصيان ، ولعلاجه يتخذ الخطوات التالية :

الخطوة الأولى : الوعظ بالرفق واللين فإن لم ينفع فلينتقل إلى :

الخطوة الثانية : الهجر في المضجع وذلك بأن يولّيها ظهره في المضجع ، لكن ينبغي ألا يبلغ بالهجر في المضجع أربعة أشهر ، وينبغي أن يقصد من الهجر التأديب والاستصلاح لا التشفي والانتقام ، ولا يهجرها في الكلام أكثر من ثلاثة أيام لقول الرسول صلى الله عليه وسلم  ( لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث )(2) .

الخطوة الثالثة : الضرب غير المخوف، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا قط بيده ، ولا امرأة ، ولا خادمًا ، إلا أن يجاهد في سبيل الله ، وما نِيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه ، إلا أن يُنتهك شيء من محارم الله فينتقم )(3) .

متى يجوز الضرب ؟ الآية على الترتيب فالوعظ عند خوف النشوز ، والهجر عند ظهور النشوز ، والضرب عند تكرره ، واللجاج فيه ، ولا يجوز الضرب عند ابتداء النشوز .

شروط الضرب : منها أن تصر على النشوز والعصيان حتى بعد تدرجه معها في التأديب على النحو الذي سبق ذكره .

ومنها أن يتناسب العقاب مع نوع التقصير، فلا يبادر إلى الهجر في المضجع في أمر لا يستحق إلا الوعظ والإرشاد ـ ولا يبادر إلى الضرب وهو لم يجرب الهجر في المضجع ، وذلك لأن العقاب بأكثر من حجم الذنب والتقصير ظلم .

ومنها أن يراعي أن المقصود من الضرب العلاج والتأديب والزجر لا غير، فيراعي التخفيف فيه على أبلغ الوجوه ، وهو يتحقق باللكزة ونحوها ، أو بالسواك ونحوه . وفي خطبة حجة الوداع قال صلى الله عليه وسلم (فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لاَ يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ. فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابَ اللَّهِ )(4).

قال عطاء : قلت لابن عباس: ما الضرب غير المبرح ؟ قال : السواك وشبهه يضربها به(5). قال الفقهاء: هو ألا يكسر فيها عضواً ولا يؤثر فيها شيئاً(6) .

ومنها أنها إذا ارتدعت وتركت النشوز فلا يجوز له بحال أن يتمادى في عقوبتها ، أو يتجنى عليها بقول أو فعل لقوله تعالى: { فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً }النساء34.

ومنها أن يكون الضرب نافعاً في الإصلاح فإن كان يترتب عليه مفسدة أكبر وفتنة أشد فلا ، وقد اتفق العلماء على أن ترك الضرب والاكتفاء بالتهديد أفضل لما رواه إياس بن عبد الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لاَ تَضْرِبُوا إِمَاءَ اللَّهِ ». فَجَاءَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ ذَئِرْنَ النِّسَاءُ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ. فَرَخَّصَ فِى ضَرْبِهِنَّ فَأَطَافَ بِآلِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم « لَقَدْ طَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ لَيْسَ أُولَئِكَ بِخِيَارِكُمْ »(7) .

قال ابن الجوزي:[ وليعلم الإنسان أن من لا ينفع فيه الوعيد والتهديد لا يردعه السوط ، وربما كان اللطف أنجح من الضرب فإن الضرب يزيد قلب المعرض إعراضاً ](8) .

الخطوة الرابعة : إذا استمر الشقاق بين الزوجين يلجآن إلى حكمين أحدهما من أهله والآخر من أهلها على أن يكونا مسلمين عاقلين يعرفان ما بين الزوجين ، ويعرفان الجمع والتفريق ، فينظران ما ينقم كل منهما على صاحبه ، ثم يلزمان كلا منهما ما يجب ، فإن لم يستطع أحدهما ذلك أقنعا الزوج الآخر بالرضا بما تيسر من الرزق والخلق . ومهما أمكنهما الجمع والإصلاح فلا يعدلان عنه .

فإن وصلت الحال إلى أنه لا يمكن اجتماعهما وإصلاحهما إلا على وجه المعاداة والمقاطعة ومعصية الله ، ورأيا أن التفريق بينهما أصلح فرقا بينهما . 


 


(1) سورة النساء آية 34و35 .

(2) أخرجه البخاري ك الأدب باب ما ينهى عنه من التحاسد ح6065 – 10 / 481 مع الفتح .

(3) أخرجه مسلم ك الفضائل باب مباعدته صلى الله عليه وسلم للآثام ح2327 .

(4) أخرجه مسلم باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم ح3009-4/39 مطولاً .

(5) تفسير الطبري 8/314 .

(6) تفسير ابن كثير 2/295 .

(7) أخرجه أبو داود باب في ضرب النساء ح2148-2/211 وصححه الألباني ، والنسائي في السنن الكبرى باب ضرب الرجل زوجته ح9167-5/371 ، والدارمي باب في النهي عن ضرب النساء ح2219-2/198 وصححه حسين سليم أسد ، وابن حبان باب معاشر الزوجين ح4189-9/499 وصححه الأرناؤوط ،  والحاكم ك النكاح ح2765-2/205 وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبي ، والحميدي ح876-2/386 ، والطبراني في المعجم الكبير ح784-1/270 .

(8) أحكام النساء ص82 .