بحث عن بحث

                            الطـــلاق (6-12)

 

 

 

مسألــة : هل يقع الطلاق البدعي من حيث الوقت ؟

اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين هما :

القول الأول : جمهور العلماء)1) أن الطلاق البدعي يقع ويأثم صاحبه واستدلوا بعدة أمور :

-  حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال عليه الصلاة والسلام (مره فليراجعها) والرجعة لا تكون إلا بعد الطلاق . كما أنه ورد في رواية عند مسلم من طريق سالم بن عبد الله عن ابن عمر قال (وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً فَحُسِبَتْ مِنْ طَلاَقِهَا وَرَاجَعَهَا عَبْدُ اللَّهِ كَمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-))2)

- ولأنه طلاق من مكلف في محل الطلاق فوقع كطلاق الحامل .

- ولأنه ليس يقر به فيعتبر لوقوعه موافقة السنة بل هو إزالة عصمة وقطع ملك فإيقاعه في زمن البدعة أولى تغليظاً عليه وعقوبة له .

- إن تحريمه لا يمنع ترتب أثره عليه قياساً على الظهار فمع كونه محرماً ومنكراً من القول يقع ، فكذلك الطلاق البدعي .

- قياساً على طلاق الهازل فإنه يقع مع أنه لم يقصد وقوع الطلاق .

القول الثاني : الطلاق البدعي لا يقع)3)وهذا رأي شيخ الإسلام ابن تيمية)4) وتلميذه ابن القيم)5) رحمهما الله ، واستدلوا بما يلي :

- قالوا : لو كان الطلاق قد لزم لم يكن في الأمر بالرجعة ليطلقها طلقة ثانية فائدة ؛ بل فيه مضرة عليهما ؛ فإن له أن يطلقها بعد الرجعة بالنص والإجماع وحينئذ يكون في الطلاق مع الأول تكثير الطلاق ؛ وتطويل العدة وتعذيب الزوجين جميعاً ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجب عليه أن يطأها قبل الطلاق ؛ بل إذا وطئها لم يحل له أن يطلقها حتى يتبين حملها ؛ أو تطهر الطهر الثاني . وقد يكون زاهداً فيها يكره أن يطأها فتعلق منه ؛ فكيف يجب عليه وطؤها ولهذا لم يوجب الوطء أحد من الأئمة الأربعة وأمثالهم من أئمة المسلمين ؛ ولكن أخّر الطلاق إلى الطهر الثاني .

-  ولأنه إذا امتنع من وطئها في ذلك الطهر ثم طلقها في الطهر الثاني دلَّ على أنه محتاج إلى طلاقها ؛ لأنه لا رغبة له فيها إذ لو كانت له فيها رغبة لجامعها في الطهر الأول .

-  وقالوا : لأنه لم يأمر ابن عمر بالإشهاد على الرجعة كما أمر الله ورسوله ولو كان الطلاق قد وقع وهو يرتجعها لأمر بالإشهاد .

-  ولأن الله تعالى لما ذكر الطلاق في غير آية لم يأمر أحداً بالرجعة عقيب الطلاق ؛ بل قال : { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } فخيَّر الزوج إذا قارب انقضاء العدة بين أن يمسكها بمعروف - وهو الرجعة - وبين أن يسيَّبها فيخلي سبيلها إذا انقضت العدة ؛ ولا يحبسها بعد انقضاء العدة كما كانت محبوسة عليه في العدة قال الله تعالى : (لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ) .

-    وأيضاً فلو كان الطلاق المحرم قد لزم لكان حصل الفساد الذي كرهه الله ورسوله وذلك الفساد لا يرتفع برجعة يباح له الطلاق بعدها والأمر برجعة لا فائدة فيها مما تنزه عنه الله ورسوله ؛ فإنه إن كان راغباً في المرأة فله أن يرتجعها وإن كان راغباً عنها فليس له أن يرتجعها ، فليس في أمره برجعتها مع لزوم الطلاق له مصلحة شرعية ؛ بل زيادة مفسدة ويجب تنزيه الرسول صلى الله عيلة وسلم عن الأمر بما يستلزم زيادة الفساد .

وأجابوا عن أدلة القائلين بوقوع الطلاق البدعي بما يلي :

- أما حديث ابن عمر رضي الله عنهما فأجابوا عنه بعدة أجوبة منها :

أحدُها: صريح قوله ( فردّها عليَ ولم يرها شيئاً ) )6).

الثاني: أنه قد صحَّ عن ابن عمر رضي الله عنه بإسناده من رواية عبيد الله، عن نافع عنه، في الرجل يُطلِّق امرأته وهى حائض، قال: لا يُعْتَدُّ بذلك)7).

الثالث : قوله (حسبت) مراده بها أن ابن عمر إنما طلَّقها واحدة، ولم يكن ذلك منه ثلاثاً ؛ أي طلق ابن عمر امرأته واحدة على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكره.

الرابع : قوله (فليراجعها) فلأنه فارقها ببدنه كما جرت العادة من الرجل إذا طلق امرأته اعتزلها ببدنه واعتزلته ببدنها ؛ { فقال لعمر : مره فليراجعها } ولم يقل : فليرتجعها . " والمراجعة " مفاعلة من الجانبين : أي ترجع إليه ببدنها فيجتمعان كما كانا ؛ لأن الطلاق لم يلزمه فإذا جاء الوقت الذي أباح الله فيه الطلاق طلقها حينئذ إن شاء .

- وأجابوا عن قياسهم الطلاق على الظهار .

أولاً: هذا قياسُ يدفعه  النص  (لم يرها شيئاً) ، وسائر تلك الأدلة التي هي أرجح منه. ثانياً: هذا معارَض بمثله سواء معارضة القلب بأن يقال: تحريمُه يمنع ترتب أثره عليه كالنكاح ؛ فالنكاح الفاسد لا تترتب آثاره عليه .

ثالثاً: ليس للظهار جهتانِ: جهة حل وجهة حرمة، بل كُلُّه حرام فإنه منكر من القول وزور، فلا يُمْكِنُ أن ينقسِمَ إلى حلال جائز، وحرام باطل، بل هو بمنزلة القذف والرِّدة، فإذا وجد لم يُوجد إلا مع مفسدته، فلا يتُصوَّر أن يقال: منه حلال صحيح، وحرام باطل، بخلاف النكاح والطلاق والبيع ، وإلحاقُ الطلاق بالنكاح، والبيع والإجارة والعقود المنقسمة إلى حلالٍ وحرامٍ، وصحيحٍ وباطلٍ، أولى.

-    وأما قياسهم على طلاق الهازل ؛ فطلاقُ الهازِلِ إنما وقع، لأنه صادف محلاً، وهو طهر لم يُجامع فيه فنفذ ، وكونُه هزل به إرادة منه أو لا يترتب أثرُه عليه، وذلك ليس إليه، بل إلى الشارع، فهو قد أتى بالسبب التام، وأراد ألا يكونَ سببه، فلم ينفعْه ذلك، بخلاف من طلَّق في غير زمن الطلاق، فإنه لم يأت بالسَّببِ الَّذي نصَبه اللهُ سبحانه مفضياً إلى وقوع الطلاق، وإنما أتي بسبب مِن عنده، وجعله هو مفضياً إلى حكمه، وذلك ليس إليه.

والراجح والله أعلم عدم وقوع الطلاق لما سبق من الأدلة .


(1) انظر : البحر الرائق 3/311 ، العناية شرح الهداية 5/166 ، الاستذكار 6/142 ، المدونة 2/3        المجموع شرح المهذب 17/78 ، المغني 8/238 .

(2) باب تحريم طلاق الحائض  بغير رضاها ح3730-4/180 .

(3) وبه أفتى الشيخ ابن عثيمين رحمه الله انظر فتاوى إسلامية 3/204 ، وفتاوى الإسلام سؤال وجواب 1/5893        ، مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين 11/235

(4) انظر مجموع الفتاوى 33/22 .

(5)انظر زاد المعاد 5/227 وما بعدها .

(6) أخرجه أبو داود باب في طلاق السنة ح2187-2/222 ، وأحمد ح5524-2/80 .

(7) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه باب ما قالوا في الرجل يطلق امرأته وهي حائض ح18051-5/5 .