بحث عن بحث

 

المفقــــــــود(1) (1-2)

 

المفقود لغة: اسم مفعول من فقد الشيء: إذا عدمه، والفقد أن تطلب الشيء فلا تجده، والمراد بالمفقود هنا من انقطع خبره وجهل حاله؛ فلا يدرى أحي هو أم ميت، سواء كان سبب سفره أو حضوره قتالاً أو انكسار سفينة أو أسره في أيدي أهل الحرب أو غير ذلك.

إذا غاب الرجل عن امرأته لم يخل من حالين:

الحال الأول : أن تكون غيبة غير منقطعة يعرف خبره ويأتي كتابه فهذا ليس لامرأته أن تتزوج في قول أهل العلم أجمعين إلا أن يتعذر الإنفاق عليها من ماله أو خيف عليها الفساد ، فلها أن تطلب فسخ النكاح فيفسخ نكاحه ، وكذا زوجة الأسير والمحبوس لا تنكح حتى تعلم يقين وفاته .

الحال الثاني : أن يفقد وينقطع خبره ولا يعلم له موضع فهذا ينقسم قسمين :

القسم الأول : أن تكون غيبته ظاهرها الهلاك كالذي يفقد من بين أهله ليلاً أو نهاراً ، أو يفقد بين الصفين أو ينكسر بهم مركب فيغرق بعض رفقته ، أو يفقد بمهلكه كبرية الحجاز ونحوها. فالصحيح أن زوجته تتربص أربع سنين أكثر مدة الحمل ثم تعتد للوفاة أربعة أشهر وعشراً وتحل للأزواج .

وهذا قول عمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن الزبير قال أحمد : خمسة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم  وبه يقول مالك و الشافعي في القديم وأحمد .

فعن عبيد بن عمير قال: فقد رجل في عهد عمر فجاءت امرأته إلى عمر فذكرت ذلك له فقال: انطلقي فتربصي أربع سنين. ففعلت ثم أتته فقال: انطلقي فاعتدي أربعة اشهر وعشراً. ففعلت ثم أتته فقال: أين ولي هذا الرجل ؟ فقال: طلقها ففعل فقال لها عمر: انطلقي فتزوجي من شئتِ. فتزوّجت ثمّ جاء زوجُها الأول فقال عمر: أين كنت ؟ قال: يا أمير المؤمنين استهوتني الشياطين فوالله ما أدري في أي أرض الله كنت عند قوم يستعبدونني حتى اغتزاهم منهم قوم مسلمون فكنت فيما غنموه فقالوا لي: أنت رجل من الإنس وهؤلاء من الجن فما لك وما لهم ؟ فأخبرتهم خبري فقالوا: بأي أرض الله تحب أن تصبح ؟ قلت: المدينة هي أرضي. فأصبحت وأنا أنظر إلى الحرَّة فخيَّره عمر إن شاء امرأته وإن شاء الصداق فاختار الصداق، وقال: قد حبلت لا حاجة لي فيها(2)

قال أحمد : يروى عن عمر من ثلاثة وجوه ولم يعرف في الصحابة له مخالف .

وروى الجوزجاني وغيره بإسنادهم عن علي في امرأة المفقود تعتد أربع سنين ثم يطلقها ولي زوجها وتعتد بعد ذلك أربعة أشهر وعشراً، فإن جاء زوجها المفقود بعد ذلك خُيِّر بين الصداق وبين امرأته. وقضى به عثمان أيضاً وقضى به ابن الزبير في مولاة لهم وهذه قضايا انتشرت في الصحابة فلم تنكر فكانت إجماعاً .

هذه السلسلة بقلم

د. إلهام الجابري


 


 

(1) البحر الرائق 5/176 ،  العناية شرح الهداية 8/230 ، الاستذكار 6/130 ،  المدونة 2/30 ،  إعانة الطالبين 4/83 ، الأم 5/240 ، المجموع شرح المهذب 18/268 ، روضة الطالبين 8/400 ، الإقناع في فقه الإمام أحمد 4/113 ، المغني 9/131 ، حاشية الروض المربع 7/66 . إعلام الموقعين 2/55 .

(2) قال ابن حجر في فتح الباري 9/431 : أخرجه عبد الرزاق وسعيد بن منصور وبن أبي شيبة بأسانيد صحيحة عن عمر .