بحث عن بحث

بسم الله الرحمن الرحيم

الأولاد بين النعمة والفتنة (1-7)

الأولاد نعمة من نعم الله سبحانه على عباده، وهم زينة الحياة الدنيا، والنفس الإنسانية مفطورة على حبهم وطلبهم، قال الله تعالى: ((المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً)) (1)، وقد ذكر سبحانه الأولاد في سياق ذكر النعم فقال سبحانه ((فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا)) (2)، ومن تمام النعمة على أهل الجنة أن يلحق الله تعالى بهم ذريتهم وإن قصر عملهم، قال سبحانه: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ)) (3) قال ابن كثير رحمه الله:[يخبر تعالى عن فضله وكرمه وامتنانه ولطفه بخلقه وإحسانه، أن المؤمنين إذا اتبعتهم ذرياتهم في الإيمان يُلحقهم بآبائهم في المنزلة، وإن لم يبلغوا عملهم لتقرّ أعين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم، فيجمع بينهم على أحسن الوجوه بأن يرفع الناقص العمل بكامل العمل، ولا ينقص ذلك من عمله ومنزلته للتساوي بينه وبين ذاك] (4). ومن دعاء الملائكة للمؤمنين قوله سبحانه: ((رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)) (5).

وهم مع هذا فتنة يفتن بهم العبد ويبتلى، قال الله تعالى: ((زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ)) (6). قال ابن كثير رحمه الله: [يخبر تعالى عما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من أنواع الملاذ من النساء والبنين، فبدأ بالنساء ؛ لأن الفتنة بهن أشدّ...، وحب البنين تارة يكون للتفاخر والزينة فهو داخل في هذا، وتارة يكون لتكثير النسل، وتكثير أمة محمد صلى الله عليه وسلم ممن يعبد الله وحده لا شريك له، فهذا محمود ممدوح] (7).

وكون الأولاد نعمة يتضح من عدة أمور:

الوجه الأول: إن من سنن الله تعالى في الأنبياء والرسل أن جعل لهم أزواجاً وذرية، قال سبحانه: ((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً)) (8)، والله تعالى لا يختار لرسله إلا أكمل الأحوال وأفضلها.

قال ابن كثير رحمه الله: [يقول الله تعالى:وكما أرسلناك يا محمد رسولاً بشرياً، كذلك قد بعثنا المرسلين قبلك بشراً، يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، ويأتون الزوجات، ويولد لهم، وجعلنا لهم أزواجاً وذرية] (9).

ونبي الله محمد صلى الله عليه وسلم قد أنعم الله تعالى عليه بالبنين والبنات، وبنوه وإن كان الله قد توفاهم في حياة نبيه لحكمة أرادها سبحانه، إلا أنه عوّضه بأولاد بناته رضي الله عنهم جميعاً، وسنرى من خلال الحلقات القادمة - إن شاء الله تعالى - صوراً من استمتاع النبي صلى الله عليه وسلم بأولاده وأولاد بناته.

 

الهوامش:

 (1) سورة الكهف آية 46.

 (2) سورة نوح آية 10 إلى 12.

 (3) سورة الطور آية 21.

 (4) المصباح في تهذيب تفسير ابن كثير ص1322.

 (5) سورة غافر آية 8.

 (6) سورة آل عمران آية 14.

 (7) المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير ص209 باختصار.

 (8) سورة الرعد آية 38.

 (9) المرجع السابق ص692.