بحث عن بحث

 

حقوق المولود (4-5) الختــان(1)

 

في مشروعيته وأنه من خصال الفطرة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( عشر من الفطرة ؛ قص الشارب ، وإعفاء اللحية ، والسواك ، واستنشاق الماء ، وقص الأظفار ، وغسل البراجم(2) ، ونتف الإبط ، وحلق العانة ، وانتقاص الماء(3) ، والختان )(4)، فجعل الختان من خصال الفطرة وإنما كانت هذه الخصال من الفطرة لأن الفطرة هي الحنيفية ملة إبراهيم عليه السلام .

وقد اشتركت خصال الفطرة في الطهارة والنظافة وأخذ الفضلات المستقذرة التي يألفها الشيطان ويجاورها من بني آدم .

 

في الاختلاف في وجوبه واستحبابه:

 اختلف الفقهاء في وجوبه واستحبابه والراجح وجوبه على الرجل وهو قول الشعبي وربيعة والأوزاعي ويحيى بن سعيد الأنصاري ومالك والشافعي وأحمد .

واستدلوا بما يلي :

-      قوله تعالى ( ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً)(5)والختان من ملته .

-      أن الختان من أظهر الشعائر التي يفرق بها بين المسلم والنصراني.

-      أنه قطع شرعه الله لا تؤمن من سرايته فكان واجباً كقطع يد السارق.

-      أنه لا يجوز كشف العورة في جانب المختون لغير ضرورة ولا مداواة ، وكذا لا يجوز النظر إلى عورة الأجنبي في جانب الخاتن ؛ فلو لم يجب لما جاز لأن الحرام لا يلتزم للمحافظة على المسنون .

-      أن الأقلف معرض لفساد طهارته وصلاته فإن القلفة تستر الذكر كله فيصيبها البول ولا يمكن الاستجمار لها فصحة الطهارة والصلاة موقوفة على الختان ولهذا منع كثير من السلف والخلف إمامته وإن كان معذوراً في نفسه فإنه بمنزلة من به سلس البول ونحوه .

 

وأما الختان في حق النساء فلا خلاف في استحبابه واختلف في وجوبه والراجح عدم الوجوب لحديث شداد بن أوس أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم  قَالَ (الْخِتَانُ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ مَكْرُمَةٌ لِلنِّسَاءِ)(6)

 ففرَّق فيه بين الذكور والإناث ، كما أن الأمر به إنما جاء للرجال حيث أمر الله سبحانه به خليله عليه السلام ففعله امتثالا لأمره .

واستُدل على استحبابه للنساء بحديث أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ رضي الله عنها أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَخْتِنُ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ لَهَا النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم  « لاَ تُنْهِكِى فَإِنَّ ذَلِكَ أَحْظَى لِلْمَرْأَةِ وَأَحَبُّ إِلَى الْبَعْلِ »(7)، وبما ذكره حرب في مسائله عن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم  أنها قالت للخاتنة: إذا خفضت فأشمي ولا تنهكي فإنه أسرى للوجه وأحظى لها عند زوجها .

والإشمام أخذ اليسير في خفض المرأة ، والخفض : ختن النساء ، والمرأة التي تفعل ذلك تسمى خافضة . والنهك : المبالغة في القطع (8).

ومعنى هذا أن الخافضة إذا استأصلت جلدة الختان ضعفت شهوة المرأة فقلت حظوتها عند زوجها كما أنها إذا تركتها كما هي لم تأخذ منها شيئاً ازدادت غلمتها ؛ فإذا أخذت منها وأبقت كان في ذلك تعديلاً للخلقة والشهوة .

 

في وقت وجوبه:

 ووقته عند البلوغ لأنه وقت وجوب العبادات عليه ولا يجب قبل ذلك .

 

في حكمة الختان وفوائده:

قال ابن القيم رحمه الله: [الختان من محاسن الشرائع التي شرعها الله سبحانه لعباده ويجمل بها محاسنهم الظاهرة والباطنة فهو مكمل للفطرة التي فطرهم عليها ولهذا كان من تمام الحنيفية ملة إبراهيم وأصل مشروعية الختان لتكميل الحنيفية فإن الله عز و جل لما عاهد إبراهيم وعده أن يجعله للناس إماماً ووعده أن يكون أبا لشعوب كثيرة وأن يكون الأنبياء والملوك من صلبه وأن يكثر نسله وأخبره أنه جاعل بينه وبين نسله علامة العهد أن يختنوا كل مولود منهم ويكون عهدي هذا ميسماً في أجسادهم فالختان علم للدخول في ملة إبراهيم وهذا موافق لتأويل من تأول قوله تعالى ( صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ )(9) على الختان .

 فالختان للحنفاء بمنزلة الصبغ والتعميد لعباد الصليب فهم يطهرون أولادهم بزعمهم حين يصبغونهم في المعمودية ويقولون الآن صار نصرانياً فشرع الله سبحانه للحنفاء صبغة الحنيفية وجعل ميسمها الختان .

وقال مجاهد صبغة الله فطرة الله وقال غيره دين الله هذا مع ما في الختان من الطهارة والنظافة والتزيين وتحسين الخلقة وتعديل الشهوة التي إذا أفرطت ألحقت الإنسان بالحيوانات وإن عدمت بالكلية ألحقته بالجمادات فالختان يعدلها ، ولهذا تجد الأقلف من الرجال والقلفاء من النساء لا يشبع من الجماع . هذا مع ما فيه من بهاء الوجه وضيائه وفي تركه من الكسفة التي ترى عليه ].


 


(1) انظر : تحفة المودود ص190 وما بعدها .

(2) البراجم عقد الأصابع ومفاصلها كلها ، ويلحق بها ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن وهو الصماخ فيزيله بالمسح ، وكذا ما يجتمع في داخل الأنف ، ومعاطف سائر الجسم . انظر شرح صحيح مسلم 3/148 .

(3) هو الاستنجاء انظر المرجع السابق .

(4) أخرجه مسلم باب خصال الفطرة ح 261-1/223 .

(5) سورة النحل 123 .

(6) أخرجه أحمد ح20738-5/75 ،قال الأرناؤوط: إسناده ضعيف  ، والبيهقي في السنن الكبرى باب السلطان يكره على الاختتان ح17343-8/324 وقال: هذا إسناد ضعيف والمحفوظ موقوف ، والطبراني في المعجم الكبير ح7112-7/273 ، وابن أبي شيبة باب في الختانة من فعلها ح26998-9/58 .

(7) أخرجه أبو داود باب ما جاء في الختان ح5273-4/540 قال أبو داود روى عن عبيد الله بن عمرو عن عبد الملك بمعناه وإسناده. قال أبو داود ليس هو بالقوى وقد روى مرسلا. قال أبو داود ومحمد بن حسان مجهول وهذا الحديث ضعيف. والبيهقي في السنن الكبرى باب السلطان يكره على الاختتان ح17338-8/324 .

(8) جامع الأصول في أحاديث الرسول 4/777 .

(9) سورة البقرة آية 138 .