بحث عن بحث

 

حقوق المولود (8-9)

النفقـــة:

يجب على الأب النفقة على أولاده ، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما  قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول )(1) وفي رواية « كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ »(2). وعند مسلم بلفظ « كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ »(3).

والحديث يدل على وجوب النفقة على الإنسان لمن يقوته ؛ فإنه لا يكون آثماً إلا على تركه لما يجب عليه ، وقد بُولغ هنا في إثمه بأن جعل ذلك الإثم كافياً في هلاكه عن كل إثم سواه ، والذين يقوتهم ويملك قوتهم هم الذي يجب عليه الإنفاق عليهم وهم أهله وأولاده وعبيده (4).

وقد ورد ذكر أن الولد ممن يلزم الرجل النفقة عليه في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالصَّدَقَةِ ، فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي دِينَارٌ. فَقَالَ « تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ ». قَالَ عِنْدِي آخَرُ. قَالَ « تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ ». قَالَ عِنْدِي آخَرُ. قَالَ « تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجَتِكَ ». أَوْ قَالَ « زَوْجِكَ ». قَالَ عِنْدِي آخَرُ. قَالَ « تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ ». قَالَ عِنْدِي آخَرُ. قَالَ « أَنْتَ أَبْصَرُ »(5).

والمراد من الصدقة في الحديث: النفقة، ورتّب- عليه السلام- الأول فالأول، والأقرب فالأقرب، أمره أن يبدأ بنفسه، ثم بولده لأنه كبعضه، ثم ثلّث بالزوجة وأخرّها عن الولد ؛ لأنه إذا لم يجد ما ينفق عليها تركها، فينفق عليها ذو رحم تجب نفقتها عليه، أو تتزوج بآخر فينفق عليها، ثم ذكر الخادم لأنه يباع عليه إذا عجز عن نفقته، فتكون النفقة على من يبتاعه ويملكه، ثم قال له فيما بعد: أنت أبصر، أي: إن شئت تصدقت، وإن شئت أمسكت(6).

ولا يحل للرجل أن يتصدق إلا بما فضل عن حاجته وحاجة من يعول ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «اليدُ العليا خير من اليد السُّفْلى ، وابدأْ بمن تَعُولُ، وخيرُ الصَّدَقَةِ ما كان عن ظهرِ غِنى ، ومن يستَعِفّ يُعِفُّه الله ، ومن يستغنِ يُغنِهِ اللهُ»(7).

ظهر غنى : يقال : أعطى فلان عن ظهر غنى ، أي : أعطى عطاء من له ثروة ومال ، فكأنه أسند ظهره إلى غناه وماله .

اليد العليا : يد المتصدق ، وهي العليا في الحقيقة صورة ومعنى . ابدأ بمن تعول : يعني : ابتدئ في الإنفاق والإعطاء بمن يلزمك نفقته من عيالك. فإن فضل شيء فليكن للأجانب ، كأنه قال للمتصدق: لا تتصدق بما لا فضل فيه عن قوت أهلك تطلب الأجر، فينقلب إثماً إذا ضيّعتهم (8).

وهو مأجور على النفقة على أهله ، بل هو من أعظم النفقات أجراً ، عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا أَنْفَقَ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةً وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً »(9).

وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِى رَقَبَةٍ وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِى أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ »(10).

وعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّتِهِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ». قَالَ أَبُو قِلاَبَةَ وَبَدَأَ بِالْعِيَالِ ثُمَّ قَالَ أَبُو قِلاَبَةَ وَأَيُّ رَجُلٍ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ رَجُلٍ يُنْفِقُ عَلَى عِيَالٍ صِغَارٍ يُعِفُّهُمْ أَوْ يَنْفَعُهُمُ اللَّهُ بِهِ وَيُغْنِيهِمْ(11) .

يعفهم الله : العفة : كف النفس عما لا يحل ،أي : يجعلهم ذوي عفاف وتقى لا يتبذلون(12).

وقد منع النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاص من الوصية بأكثر من الثلث وقال له (إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ وَلَسْتَ تُنْفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغِى بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلاَّ أُجِرْتَ بِهَا حَتَّى اللُّقْمَةُ تَجْعَلُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ »(13).

أما الأم وإن لم تلزمها النفقة على أولادها إلا أنها تؤجر على النفقة عليها ، فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لِي أَجْرٌ فِى بَنِي أَبِي سَلَمَةَ أُنْفِقُ عَلَيْهِمْ وَلَسْتُ بِتَارِكَتِهِمْ هَكَذَا وَهَكَذَا إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ. فَقَالَ « نَعَمْ لَكِ فِيهِمْ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ »(14).

بل نفقتها على أولادها مع حاجتهم أفضل الصدقة ، فعَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  « تَصَدَّقْنَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ ». قَالَتْ فَرَجَعْتُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقُلْتُ إِنَّكَ رَجُلٌ خَفِيفُ ذَاتِ الْيَدِ وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ فَأْتِهِ فَاسْأَلْهُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَجْزِى عَنِّي وَإِلاَّ صَرَفْتُهَا إِلَى غَيْرِكُمْ. قَالَتْ فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ: بَلِ ائْتِيهِ أَنْتِ. قَالَتْ فَانْطَلَقْتُ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِبَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَاجَتِي حَاجَتُهَا - قَالَتْ - وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ الْمَهَابَةُ - قَالَتْ - فَخَرَجَ عَلَيْنَا بِلاَلٌ فَقُلْنَا لَهُ ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبِرْهُ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ بِالْبَابِ تَسْأَلاَنِكَ أَتَجْزِى الصَّدَقَةُ عَنْهُمَا عَلَى أَزْوَاجِهِمَا وَعَلَى أَيْتَامٍ فِي حُجُورِهِمَا وَلاَ تُخْبِرْهُ مَنْ نَحْنُ - قَالَتْ - فَدَخَلَ بِلاَلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم « مَنْ هُمَا ؟». فَقَالَ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ وَزَيْنَبُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم « أَيُّ الزَّيَانِبِ ». قَالَ امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم « لَهُمَا أَجْرَانِ أَجْرُ الْقَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ »(15).

 


(1) أخرجه النسائي في السنن الكبرى باب إثم من ضيع عياله ح9176-5/374 ، والحاكم ك الفتن والملاحم في حديث طويل ح8526-4/545 وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي ، والحميدي ح599-2/273 ، والقضاعي في مسند الشهاب ح1413-2/304 . وحسّنه الألباني في إرواء الغليل 3/406 .

(2) أخرجه أبو داود باب في صلة الرحم ح1694-2/59 ،  و النسائي في السنن الكبرى باب إثم من ضيع عياله ح9177-5/374 ، والبيهقي باب وجوب النفقة للزوجة ح15472-7/467 ،  وابن حبان باب النفقة ح4240-10/51 وقال شعيب الأرناؤوط: حديث صحيح ، وأحمد ح6819-2/193 قال الأرناؤوط : صحيح وهذا إسناد حسن ، والطيالسي ح2281-1/301 .

(3) أخرجه مسلم باب فضل النفقة على العيال ح2359-3/78 .

(4) اانظر : سبل السلام 3/222 ، التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي 1/137، النهاية 4/195 ، عون المعبود 5/76 ، شرح أبي داود للعيني 6/451 . معالم السنن 2/ 69 ، شرح النووي 7/82 .

(5) أخرجه أبو داود باب في صلة الرحم ح1693-2/59قال الألباني: حسن ، والنسائي في السنن الكبرى باب إيجاب نفقة المرأة وكسوتها ح9181-5/375 ، وابن حبان باب النفقة ح4233-10/46 قال الأرناؤوط: إسناده حسن ، وأحمد ح10088-2/471 قال الأرناؤوط: إسناده قوي .

(6) شرح سنن أبي داود عيني 6/450 .

(7) أخرجه البخاري  باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى ح1361-2/518 .

(8) جامع الأصول 6/460 .

(9) أخرجه مسلم باب فضل النفقة ... ح2369 -/81 .

(10) أخرجه مسلم باب فضل النفقة على العيال ح2358-3/78 .

(11) أخرجه مسلم باب فضل النفقة على العيال ح2357-3/78 .

(12) جامع الأصول 9/526 .

(13) أخرجه البخاري باب حجة الوداع ح4147-4/1600 ، ومسلم باب الوصية بالثلث ح4296-5/71 .

(14) أخرجه مسلم باب فضل النفقة والصدقة ...ح2367-3/80 .

(15) أخرجه مسلم باب فضل النفقة والصدقة ح2365-3/80 .