بحث عن بحث

لا تفعل

 

لا يشك أحداً في أن شتم الوالدين من الكبائر إذ ورد النهي عنه في كتاب الله تعالى حيث قال سبحانه: (فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا)(1) فكلمة من حرفين (أف) وربما تخرج أحياناً صوتاً لا تتميز حروفه تُشعر بالتأفف والتذمر لا يختلف اثنان في كونهما من العقوق. لكن حق الوالدين أعظم مما قد تتخيله، ولعل الحديث التالي يجلي الأمر أكثر، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه) قيل: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: (يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه)(2).

لا يجرؤ الإنسان في العادة على سب والديه أو لعنهما، والطبع المستقيم يأبى ذلك، وتأمل ذلك في تعجب الصحابي (كيف يلعن الرجل والديه؟) فبيّن عليه الصلاة والسلام في الجواب أنه وإن لم يتعاط السب بنفسه في الأغلب الأكثر، لكن قد يقع منه التسبب فيه وهو مما يمكن وقوعه كثيراً، بأن يسب أبا الغير أو يلعنه، فيسب الآخر أباه أو يلعنه.

قال ابن بطال رحمه الله: هذا الحديث أصل في سد الذرائع، ويؤخذ منه أن من آل فعله إلى محرم يحرم عليه ذلك الفعل وإن لم يقصد إلى ما يحرم(3).

 

 5-  تحمل تأديب الوالد أو الوالدة، وذلك أن الوالدين ينتهجان سبلاً متنوعة في توجيه أولادهما وتربيتهم، وقد تروق هذه السبل والأساليب للأولاد أو لا، ومع هذا على الأولاد تقبل ذلك وتحمله. ولنا في أم المؤمنين أسوة حسنة، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء – أو بذات الجيش – انقطع عقد لي فأقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فأتى الناس أبا بكر، فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبالناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والناس، وليسوا على ماء وليس معهم ماء، قالت:فعاتبني وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على فخذي فنام رسول الله حتى أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمم (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً)(4) فقال أسيد بن الحضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، فقالت عائشة: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته)(5).

6-  الشفقة على الوالدين فها هو خليل الله تعالى إبراهيم عليه السلام يكرر النداء لأبيه يا أبتِ يا أبتِ ويدعوه بأرق العبارات إلى الإيمان بالله تعالى فتأمل قوله كما أخبرنا سبحانه: (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّا، يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً، يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً)(6)، وأبو هريرة -رضي الله عنه- يأتي رسول الله يرجوه أن يدعو لأمه المشركة بالهداية للإسلام، فيدعو لها فتسلم، فأنصت لأبي هريرة يحدثك بالقصة قال: (كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يوماً فأسمعتني في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما أكره، فأتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنا أبكي، قلت: يا رسول الله، إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة، فقال رسول الله (اللهم اهد أم أبي هريرة) فخرجت مستبشراً بدعوة نبي الله -صلى الله عليه وسلم-، فلما جئت فصرت إلى الباب فإذا هو مُجافٍ، فسمعت أمي خشف قدمي فقالت: مكانك يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة الماء، قال: فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها ففتحت الباب ثم قالت: يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، قال: فرجعت إلى رسول الله فأتيته وأنا أبكي من الفرح قال قلت:يا رسول الله أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة، فحمد الله وأثنى عليه وقال خيراً)(7). فالولد الصالح يحرص على هداية والديه ؛ سواء كانا عاصيين أو على دين غير الإسلام.

7- الاحتفاء بالوالدين، فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا أتته ابنته فاطمة قام لها وقبل يدها وأجلسها في مكانه، وهي تفعل مثل ذلك إذا أتاها وفي قصة يوسف عليه السلام أنه قال لأهله كما في قوله سبحانه: (ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) ثم قال (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ)(8) أي اجلسهما معه على سرير الملك.

8-   الانتساب إلى أبيه، فمن الكبائر أن يتبرأ الرجل من أبيه أو ينتسب إلى غير أبيه.


 

(1)   سورة الإسراء آية 23.

(2)   أخرجه البخاري باب لا يسب الرجل والديه ح 5628-5/2228، ومسلم باب بيان الكبائر وأكبرها ح92-1/92.

(3)   انظر فتح الباري 10/403،404.

(4)   سورة النساء آية 43.

(5)   أخرجه البخاري ك التيمم باب قول الله تعالى (فلم تجدوا ماء) ح 327-1/127، ومسلم باب التيمم ح 367-1/279.

(6)   سورة مريم 43-45.

(7)   أخرجه مسلم باب من فضائل أبي هريرة الدوسي ح 2491-4/1938.

(8)   سورة يوسف آية 99 و 100.