بحث عن بحث

احذر العقوق فباب السماء مفتوح

 

     كرّم الله سبحانه وتعالى الوالدين بإجابة دعائهما لأولادهما، وفي ذلك تأكيد لضرورة برّهما والتحذير من عقوقهما، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: (ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده)(1)، وفي هذا تنبيه للأولاد أن يتجنبوا إغضاب والديهم حتى لا يُلجئوهم إلى الدعاء عليهم فيوافق ساعة إجابة فيستجاب لهم ولهذا قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم)(2)، وعلى الولد أن لا يُقدِّم على بر والديه شيئاً من نوافل العبادات - فضلاً عن عداها من المباحات والملهيات – ما لم يعلم رضاهما بذلك، ولنا في قصة جريج العابد عبرة وعظة فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى، وكان في بني إسرائيل رجل يقال له جريج كان يصلي، جاءته أمه فدعته، فقال: أجيبها أو أصلي. فقالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات(3)، وكان جريج في صومعته فتعرضت له امرأة وكلمته، فأبى، فأتت راعياً فأمكنته من نفسها فولدت غلاماً، فقالت: من جريج. فأتوه فكسروا صومعته وأنزلوه وسبوه، فتوضأ وصلى، ثم أتى الغلام، فقال: مَن أبوك يا غلام ؟ قال: الراعي. قالوا: نبني صومعتك من ذهب. قال: لا إلا من طين. وكانت امرأة ترضع ابناً لها من بني إسرائيل، فمرّ بها رجل راكب ذو شارة، فقالت: اللهم اجعل ابني مثله. فترك ثديها وأقبل على الراكب، فقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم أقبل على ثديها يمصه – قال أبو هريرة كأني أنظر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يمص إصبعه – ثم مرّ بأمة، فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثل هذه، فترك ثديها، فقال: اللهم اجعلني مثلها، فقالت: لم ذاك ؟ فقال: الراكب جبار من الجبابرة، وهذه الأمة يقولون سرقت زنيت ولم تفعل)(4).

وفي الحديث إيثار إجابة الأم على صلاة التطوع ؛ لأن الاستمرار فيها نافلة وإجابة الأم وبرها واجب. وفي الحديث أيضاً عظم بر الوالدين وإجابة دعائهما ولو كان الولد معذوراً، لكن يختلف الحال في ذلك بحسب المقاصد، فجريج كان بإمكانه أن يخفف صلاته ثم يجيب أمه، لكنه خشي أن ينقطع خشوعه، فاستمر في صلاته.

وفي الحديث أيضاً الرفق في الدعاء على الولد إذا جرى منه ما يقتضي التأديب، لأن أم جريج مع غضبها منه لم تدع عليه إلا بما دعت به، ولولا طلبها الرفق به لدعت عليه بوقوع الفاحشة، أو القتل(5).

فعلى الآباء أن يرفقوا بأولادهم، وأن يقدِّروا جهلهم وطيشهم ؛ فإذا ما غضبوا لأمر ما فليختاروا من الدعاء أيسره مما يحصل به التأديب والتهذيب.

وليغتنم الآباء نعمة إجابة الدعاء بالدعاء لأولادهم قبل خروجهم إلى الحياة، ويُكثروا منه، ولنا في قصة امرأة عمران أم مريم عليهم السلام أسوة حسنة قال الله سبحانه وتعالى عنها: (إِذْ قَالَتْ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (6)، فهاهي امرأة عمران عليه السلام عوّذت ابنتها بالله عز وجل من الشيطان، وعوّذت ذريتها وهو ولدها عيسى عليه السلام، فاستجاب الله لها ذلك كما في الحديث الذي رواه أبو هريرة مرفوعاً: (ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخاً من مسه إياه، إلا مريم وابنها)، ثم يقول أبو هريرة اقرءوا إن شئتم (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)(7).


 

(1)    أخرجه الترمذي باب لم يسمه ح 3448-5/502 وقال: هذا حديث حسن. وقال الألباني: حسن. وابن حبان ذكر البيان بأن دعوة المسافر لا ترد ما دام في سفره ح 2699-6/416.

(2)    أخرجه مسلم باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر ح 3009 -4/2304.

(3)    المومسات الزواني البغايا المتجاهرات بذلك. انظر شرح النووي لصحيح مسلم 16/105.

(4)    أخرجه البخاري باب (واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها...) ح 3253-3/1268، ومسلم باب تقديم بر الوالدين على التطوع بالصلاة وغيرها ح 2550-4/1976.

(5)    انظر فتح الباري 6/482-483، وشرح النووي 16/105.

(6)    سورة آل عمران من آية 35 إلى 37.

(7)    أخرجه البخاري انظر الفتح 8/60، ومسلم 4/1838، وانظر المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير ص215.