بحث عن بحث

أطفالنا... ومدرسة الصوم 

وقفات تربوية

 

   أقبل شهر الخير والبركات، أقبل شهر كريم عند رب المكرمات، أقبل يجود بخيره على كل البريات، يقول: هل من مشمر؟ هل من مريد للجنات، أنا شهر في تفتح أبواب الجنات، وتُغلق أبواب النيران، وتصفد الشياطين، قال صلى الله عليه وسلم: (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين) رواه البخاري ومسلم، وفي رواية (ونادى منادٍ يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر)(1)، أنا شهرالكبير والصغير، والغني والفقير، والقوي والضعيف، والعاجز والمحروم، أنا بحر زاخر بالطاعات.

   فاليتزود مني من شاء بما شاء؛ ذكر، وقراءة قرآن، وصيام، وصلاة، وتهجد، وصدقة، وجود، وإحسان.... الخ.

   هكذا يقول رمضان، وقد أدرك ذلك كثير من المسلمين، فهم يعلمون أنه شهر مبارك، وموسم معظم، جعله الله سبحانه وتعالى ميداناً يتنافس فيه المتنافسون، ومضماراً يتسابق فيه الصالحون، ومجالاً لتهذيب النفوس، وتزكية القلوب، ورفعة الدرجات.

   ولكن هل رمضان للصغار أيضا ً؟

   لقد أدرك جيل الصحابة رضوان الله عليهم أن رمضان مدرسة للجميع كبارا ً كانوا أو صغاراً، فأخذوا على أيدي صغارهم وفلذات أكبادهم ليشاركوهم في جني ثمار هذا الشهر المبارك، ولنترك الربيع بنت مُعوذ  - رضي الله عنها - تحكي لنا هذا الموقف الرائع من الصحابة - رضي الله عنهم - وكيف ربوا أبناءهم ومرنوهم على الصيام.

   تقول الربيع بنت مُعوذ - رضي الله عنها -: (أرسل النبي صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار من أصبح مفطراً فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائماً فليصم، قالت: فكنا نصومه بعد ونُصوم صبيانن، ونجعل لهم اللعبة من العهن(2)، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذلك حتى يكون عند الإفطار)(3).

 

   فتأمل ـ أيها الموفق رعاك الله ـ كيف أنهم أرادوا التربية، فبذلوا لذلك الجهد والتشجيع والتسلية، فجمعوا بين التحفيز المعنوي والمادي.

   قال النووي - رحمه الله -: (وفي هذا الحديث تمرين الصبيان على الطاعات وتعويدهم العبادات، ولكنهم ليسوا مكلفين)(4).

   وقال الحافظ في الفتح: (ويستفاد منه أنه يستحب أمر الصبيان بالصوم للتمرين عليه إذا أطاقوه، وقد قال باستحباب ذلك جماعة من السلف منهم: ابن سيرين والزهري والشافعي وغيرهم)(5).

   إذاً فشهر رمضان الكريم محضن تربوي عظيم لأطفالنا، لأن الأجواء الإيمانية الجماعية فيه تغرس في نفوس أبناءنا الكثير من المعاني التربوية، فإقبال الطفل على مشاركة والديه في الصيام يحمل هذا المعنى التربوي الهام، فهو يغرس الثقة في نفسه، وينمي لديه الشعور بالذات، والإحساس بالمسؤولية، عندما يحُس بأنه يقوم بأعمال لا يمارسها إلا الكبار، ولعل هذا الشعور هو ما يفسر لنا الإصرار والحماس الذي يدفع بعض الأطفال لأن يصوم هذا الشهر كاملا ً مع صغر سنه، وهو أمر له أثره الايجابي على سلوكيات أبناءنا وعباداتهم ومعاملاتهم لأنه يجعل من هذا الشهر نقطة بداية لتحملهم المسؤولية.

   فرمضان فرصة عظيمة لغرس كثير من القيم والمعاني الإيمانية العظيمة 

   فهيا بنا لنتعرف على بعضها، وكيف نطبقها واقعياً...

 

أولاً: الصبر:

   قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (التسبيح نصف الميزان، والحمد يملأه، والتكبير يملأ مابين السماء والأرض، والصوم نصف الصبر، والطهور نصف الإيمان)(6).

قال ابن رجب: (وأفضل أنواع الصبر الصيام: فإنه يجمع الصبر على الأنواع الثلاثة لأنه صبر على طاعة الله عز وجل، وصبر عن معاصي الله: لان العبد يترك شهواته لله، ونفسه قد تنازعه إليها، وفيه أيضا صبر على الأقدار المؤلمة بما قد يحصل للصائم من الجوع والعطش)(7).

فشهر رمضان شهر الصبر كما يسميه بعض السلف.

 

 

   وهنا يحسن بالوالدين وهما يشجعان ابنهما على الصيام، وهو يكابد مرارة الجوع والعطش أن يلقاه بالأجر المنتظر، وكيف أن هناك بابا في الجنة يدخل منه الصائمون، فيقولان له: أتعرف ما أسم ذلك البابا؟ إنه باب الريان، فيحييان في داخله مشاعرالشوق لذلك الباب، هل ترغب أن تدخل منه؟ اسمع أي بني ـ رعاك الله ـ بما يُبشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: (إن في الجنة باباً يقال له الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل معهم أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيدخلون منه، فإذا دخل آخرهم أُغلق، فلم يدخل منه أحد)(8) متفق عليه.

 

 

ثانياً: المراقبة، وصدق الإخلاص لله تعالى:

   قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: 183)

   وقال صلى الله عليه وسلم: (الصيام جنة)(9) أخرجه البخاري ومسلم، وزاد أحمد:  (وحصن حصين من النار)(10).

   ففي الصوم تربية للضمير، فيتعود الطفل أنه دائماً تحت مراقبة الله تعالى، وهذا هو الغاية والهدف الكبير من الصوم ألا وهي تربية المؤمن على التقوى، فالتقوى هي التي تستيقظ في القلوب، بينما تؤدى هذه الفريضة طاعة لله وإيثاراً لرضاه، والتقوى هي التي تحرس هذه القلوب من إفساد الصوم بالمعصية.

   يقول مصطفى السباعي: (ومن أسرار الصيام النفسية تربية الضمير، فليس على الصائم رقيب إلا الله، فيعتاد الأمان بعد ذلك في كل أمورالحياة، وهذا من شأنه يورث خشية الله وينمي ملكة المراقبة، ويوقظ الضمير، ومن ثم اعتبره القرآن الكريم سبيلاً إلى تقوى الله بقوله تعالى:(تَتَّقُونَ) ومن ثم يخجل من الكذب والغش والإيذاء والعدوان على الناس في أعراضهم وأموالهم)(11).

وفقنا الله وإياكم لحسن التربية..... وإلى لقاء آخر مع ثمرات الصيام التربوية على أطفالنا

 


(1)      أخرجها ابن حيان في صحيحه (8/ 221) وابن خزيمة (3/ 188) وغيرهما.
(2)     
العهن: الصوف الملون، ينظر مشارق الأنوار (2/ 104).
(3)     
صحيح البخاري (2/ 692)، ومسلم ح (1136).
(4)     
شرح صحيح مسلم (8/ 14).
(5)     
ينظر فتح الباري (4/ 200) ونيل الأوطار (4/ 273).
(6)     
أخرجه الترمذي في سننه (5/ 536) ح (3519)، وقال حديث حسن، وابن ماجه في سننه (1/555) بلفظ مختصر.
(7)     
جامع العلوم والحكم (1/ 219).
   فيبين للطفل أنه ليس من هدف افتراض الصوم على المسلمين هو الحرمان من الطعام والشراب، بل هناك حكم عظيمة منها: غرس خلق الصبر والمراقبة والاستقامة.
(8)      البخاري (   /    ) ومسلم ح (1152) واللفظ له، من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه.
(9)     
الجنة: الوقاية والستر، ومعناه ستره من الآثام أو من النار أو من جميع ذلك، ينظر فتح الباري (4/104).
(10)     
أخرجه أحمد في مسنده (2/402)، وحسنه المنذرى في الترغيب والترهيب (2/83).
(11)     
أحكام الصيام وفلسفته في ضوء الكتاب والسنة ص43.
   وعلى الوالدين تنمية المراقبة حقيقية في نفس الطفل، كأن تقول الأم لابنتها: أي بنية لو كنت في غرفتك وعلى طاولتك علبة الحلوى التي اشتريتها بالأمس من المدرسة، ونسيت أن تأكليها في الليل، فهل ستأكلينها وأنت صائمة؟ وبعد جوابها تعلق تعليقاً مناسباً بأن تثني عليها بأنها عَلمت مراقبة الله واطلاعه عليها، فلم تأكل ولم تشرب لا أمام الناس ولا في خلوتها، لأنها علمت أن الله مطلع عليها في جميع أحوالها، ثم تذكر لها أن هذا الأمر جعل أجر الصائم عظيم من غير أن يُقدر بمقدار بل قال الله عز وجل كما في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به)"1" فما ظنك بنيتي بجزاء الله؟.