بحث عن بحث

 

البر بالأم من الرضاعة

  

سمّى الله تعالى من النساء أماً امرأتين ؛ الأم الوالدة والأم المرضعة ، فقال سبحانه (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَة ) سورة النساء آية 23.

فإن هذا اللبن الذي أرضعته جرى من دمها وقُوتِها ، ونال من قُوّتِها حتى أنشز عظمه وأنبت لحمه ، مع حنوها إليه وعطفها عليه ، قال عليه الصلاة والسلام (لا يحرم من الرضاع إلا ما أنبت اللحم و أنشز العظم) (1).

وقال عليه الصلاة والسلام ( لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام )(2).

فالرضاع الذي في الصغر هو الذي ينشز العظم، يعني: ينبت به العظم ويكبر، وإنشاز العظام نموها ونباتها، كما في قوله: (وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا) [البقرة:259] ، يعني: ننميها وننبتها، وكذلك قوله: (أنبت اللحم) يعني: نبت اللحم على العظم بذلك الرضاع، فهذا هو الذي يحرم. وهو الذي يفتق الأمعاء أي يحصل به تغذيته وسد جوعته(3).

فكانت حقيقة بوصف الأم ، وجديرة بالبر والإحسان ، فعن حجاج بن حجاج عن أبيه قال قلت : ما يذهب عني مذمة الرضاعة ؟ قال ( الغرة عبد أو أمة )(4).

مذمة الرضاع : حقه وحرمته التي يُذم مضيعها (5).

دلّ الحديث على استحباب العطية للمرضعة غير الأجرة عند الفطام ، ومعنى قوله ( ما يذهب عني مذمة الرضاع ) أي ما يذهب الحق الذي تعلق بي للمرضعة لأجل إحسانها لي بالرضاع ؛ فإني إن لم أكافئها على ذلك صرت مذموماً  عند الناس بسبب عدم المكافأة(6).

وفي قوله ( الغرة عبد أو أمة) إشارة إلى عظم حق المرضعة على مَن أرضعته ؛ إذ لا يخفى غلاء ثمن العبد والأمة(7) . 

قال العلامة الطحاوي في بيان مشكل الآثار: [أن المرضعة يجب من حقها على من أرضعته ما لا خفاء به وأنها تصير بذلك له أماً في وجوب حقها عليه وقد قال رسول الله عليه السلام فيمن حقه دون حق الأم (لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه) فكان ذلك إخباراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذا الفعل من الولد بوالده جزاء له عما كان منه فيه بحق أبوته ، وكان حق المرضعة التي ذكرنا قد وجب على المرضع برضاعها إياه حتى صارت له بذلك أماً ، وحتى صار ما كان منها إليه سبباً لحياته وحقوق الوالدات على أولادهن فوق حقوق آبائهم عليهم ، ولما كان ذلك كذلك ولم يقدر المرضع على فكاك من أرضعه من الرق إذا كان غير رقيق أمر أن يعوضها من ذلك ما يقدر أن تفعل فيه العتاق الذي يكون به فداء لها من النار ](8).

فبادر أخي / أختي إلى البر بأمك من الرضاعة ، واعرف قدرها ، عسى أن تفِ حقها .

 

د . إلهام بدر الجابري

 


(1) أخرجه أحمد ح4114-1/432 قال شعيب الأرنؤوط : صحيح بشواهده وهذا إسناد ضعيف للإنقطاع بين والد أبي موسى الهلالي وعبد الله بن مسعود ، وأبو داود باب في رضاعة الكبير ح2062-2/180 قال الألباني ضعيف ، والطبراني في الكبير ح8500-91  

(2) أخرجه الترمذي ك الرضاع باب ما جاء أن الرضاعة لا تحرم في الصغر دون الحولين ح1162-2/311 وقال: هذا حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وابن حبان ك الرضاع ذكر الخبر الدال على أن الرضعة والرضعتان لا يحرمان ح4210-6/214 . صححه الألباني في إرواء الغليل ح2150-7/221 .

(3) انظر : سبل السلام 3/214 ، فتح الباري 9/148 ، تحفة الأحوذي 4/263 ، عون المعبود 6/47 ، شرح عمدة الأحكام للشيخ ابن جبرين 65/5 .

(4) أخرجه أبو داود ك النكاح باب في الرضخ عند الفصال ح2064- 2/230 ، والترمذي ك الرضاع باب ما يذهب مذمة الرضاع ح1163-2/311 وقال هذا حديث حسن صحيح ، وابن حبان ك الرضاع ذكر البيان بأن قوله صلى الله عليه وسلم العبد والأمة ح4217-6/216

(5) انظر : النهاية في غريب الحديث والأثر 2/169 .

(6) انظر : نيل الأوطار 6/320 ، تحفة الأحوذي 4/264 ، عون المعبود 6/70 ، معالم السنن 3/161 .

(7) انظر شرح مشكل الآثار 2/130 .

(8) باختصار 2/131 .