بحث عن بحث

 

 ثمرات بر الوالدين (2-3)

 

قبول التوبة

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية :[ فكلُّ من أصاب شيئاً من محارم الله، فقد أصابَ حدودَه، وركبها، وتعدَّاها . وعلى تقدير أنْ يكونَ الحدُّ الذي أصابه كبيرةً ، فهذا الرجل جاء نادماً تائباً ، وأسلم نفسه إلى إقامةِ الحدِّ عليه ، والنَّدمُ توبة ، والتوبةُ تُكفِّرُ الكبائرَ بغير تردُّدٍ ، وقد رُوي ما يُستدلُّ به على أنَّ الكبائر تكفرُ ببعض الأعمال الصالحة ، فخرَّجَ الإمامُ أحمد والترمذيُّ من حديث ابن عمر: أنَّ رجلاً أتى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا رسولَ الله، إني أصبتُ ذنباً عظيماً، فهل لي من توبة؟ قالَ: ((هل لك مِنْ أمٍّ ؟)) قالَ: لا ، قالَ:((فهل لك من خالةٍ؟)) قال: نعم ، قال: (( فبِرَّها ))، وخرَّجه ابن حبان في " صحيحه " والحاكم ، وقال : على شرط الشيخين ، لكن خرَّجه الترمذي من وجهٍ آخر مرسلاً ، وذكر أنَّ المرسلَ أصحُّ من الموصول ، وكذا قال عليُّ بنُ المديني و الدارقطني.

وروي عن عمرَ أنَّ رجلاً قال له : قتلتُ نفساً، قال: أمُّك حية؟ قال: لا، قال: فأبوك ؟ قال: نعم، قال: فبِرَّه وأحسن إليه، ثم قال عمر: لو كانت أمُّه حيَّةً فبرَّها، وأحسن إليها، رجوتُ أنْ لا تطعَمه النارُ أبداً . وعن ابن عباس معناه أيضاً .

وكذلك المرأة التي عَمِلَت بالسحر بدُومَة الجندلِ ، وقدمت المدينةَ تسألُ عن توبتها ، فوجدت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم  قد توفي، فقال لها أصحابُه: لو كان أبواك حَيَّيْنِ أو أحدهما كانا يكفيانك. خرَّجه الحاكم وقال: فيه إجماعُ الصحابة حِدْثَان وفاةِ الرسول صلى الله عليه وسلم  على أنَّ برَّ الأبوين يكفيانها.

وقال مكحول والإمام أحمد: بِرُّ الوالدين كفارةٌ للكبائر.

وهذه كلُّها لا دِلالةَ فيها على تكفير الكبائر بمجرَّد العمل ؛ لأنَّ كلَّ من ذكر فيها كان نادماً تائباً من ذنبه ، وإنَّما كان سؤاله عن عملٍ صالح يتقرَّب به إلى الله بعد التوبة حتّى يمحوَ به أثَرَ الذنب بالكلية ، فإنَّ الله شرط في قبول التوبة ومغفرةِ الذنوب بها العملَ الصالح ، كقوله: { إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً }، وقوله: { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً }، وقوله: { فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ }.

وفي هذا متعلَّقٌ لمن يقول: إنَّ التائب بعد التوبة في المشيئة ، وكان هذا حال كثير مِنَ الخائفين مِنَ السَّلف .

وقال بعضهم لرجلٍ: هل أذنبت ذنباً؟ قال: نعم ، قال: فعلمتَ أنَّ الله كتبه عليك؟ قال: نعم، قال: فاعمل حتّى تعلمَ أنَّ الله قد محاه.

ومنه قولُ ابن مسعود: إنَّ المؤمن يرى ذنوبه كأنَّه في أصل جبل يخاف أنْ يقع عليه ، وإنَّ الفاجر يرى ذنوبَه كذُبابٍ طار على أنفه ، فقال به هكذا . خرَّجه البخاري.

وكانوا يتَّهمُون أعمالهم وتوباتهم ، ويخافون أنْ لا يكونَ قد قُبِلَ منهم ذلك، فكان ذلك يُوجِبُ لهم شدَّةَ الخوف ، وكثرةَ الاجتهاد في الأعمال الصالحة([1])] .

 

 

 

 



(1)  أسباب رفع العقوبة عن العبد لشيخ الإسلام ابن تيمية تحقيق علي بن نايف الشحود ص14 .