بحث عن بحث

 

رعاية النساء في ضوء سورة النساء  (6- 15)

 

 

ثانياً/ الرعاية الزوجية:

للزوجة رعاية خاصة في ديننا الحنيف؛ حيث هي أم مربية، وصلاحها صلاح للأمة، وتتمثل هذه الرعاية في أمور:

 

المطلب الأول/ الصداق:

قال تعالى: {وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً }(1)، ففي هذه الآية الأمر بإعطاء النساء مهورهن عطية واجبة، وفريضة لازمة(2)، وجاء التعبير عن إيتائها بقوله تعالى {نِحْلَةً} أي: عن طيب نفس، وحال طمأنينته، فلا تمطلوهن، أو تبخسوا منه شيئاً(3).

 

واختلف فيمن خوطب بهذا على قولين:

أحدهما: أنهم الأزواج، وهو قول الجمهور.

والثاني: أنه متوجه إلى الأولياء(4)؛ وذلك أنهم كانوا يأخذون صدقاتهن.

وقال آخرون: بل كان ذلك من أولياء النساء، بأن يعطي الرجل أخته لرجل، على أن يعطيه الآخر أخته، على أن لا كثير مهر بينهما، فنهوا عن ذلك(5).

وعموماً أياً كان هذا المخاطب، في هذه الآية حقٌ صريحٌ للمرأة، في صداقها، تأخذه لنفسها ولا يأخذه الولي، ولابد من تسمية هذا الصداق وتحديده، لتقبضه المرأة فريضة لها، وواجباً لا تخلف فيه، وأوجب أن يؤديه الزوج {نِحْلَةً} أي: هبة خالصة لصاحبتها، وأن يؤديه عن طيب نفس، وارتياح خاطر، كما يؤدي الهبة والمنحة، فإذا طابت نفس المرأة بعد ذلك لزوجها عن شيء من صداقها – كله أو بعضه – فهي صاحبة الشأن في ذلك.

والزوج في حِلّ من أخذ ما طابت نفس الزوجة عنه، وأكله حلالاً طيباً هنيئاً مريئاً. فالعلاقات بين الزوجين ينبغي أن تقوم على الرضى الكامل، والاختيار المطلق، والسماحة والمودة(6).

وكذا قال تعالى مقرراً هذا الحق: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً }(7).

أي: أحل لكم ما وراء ذلك من المحرمات {أن تبتغوا} تطلبوا، {بِأَمْوَالِكُمْ} تنكحوا بصداق {مُحْصِنِينَ} أي: متزوجين متعففين {غَيْرَ مُسَافِحِينَ} غير زانين {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} مهورهن، {فَرِيضَةً} لازمة، {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ} من الإبراء عن المهر، والافتداء والاعتياض {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}(8).

 

وتأكيداً لحق النساء في الصداق فإن هذه السورة نصت على وجوبه بالنسبة للإماء إذا رغب التزوج بهن خشية العنت، فالأمر إذن مبني على كون الصداق للمرأة لذاتها لا أنها حرة أو أمة.

فقال تعالى:{وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ }(9). أي: من لم يجد سعة وقدراً أن ينكح الحرائر العفائف المؤمنات، {فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} أي: فتزوجوا من الإماء المؤمنات اللائي يملكهن المؤمنون، ثم اعترض بقوله سبحانه وتعالى: {وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ } أي: هو العالم بحقائق الأمور وسرائرها، وإنما لكم أيها الناس الظاهر من الأمور، ثم قال: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} فدل على أن السيد هو ولي أمته لا تزوج إلا بإذنه، {وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} أي: وادفعوا مهورهن بالمعروف، أي: عن طيب نفس منكم، ولا تبخسوا منه شيئاً استهانة بهن لكونهن إماء مملوكات(10).

وما أعظمها من رعاية للمرأة لذاتها، والأمة قد جمعت مع ضعفها الذاتي ضعفاً آخر وهو كونها مملوكة لغيرها، والأمة هي أخت للحرة في إنسانيتها وإن كانت دونها في الحرية، فالقرآن يجبر هذا الشعور بالضعف الشديد عند الأمة ويأمر لها بالصداق أسوة بشقيقتها في الإنسانية(11).

وكذا الحال بالنسبة لليتيمة التي يقوم وليها على أمرها ثم يرغب هو في الزواج منها ولكنه يبخسها حقها في صداقها، قال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى?}(12)، وقال تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً }(13).

والمعنى في الآية الأولى التي في أول السورة والآية الثانية يبينه حديث عائشة رضي الله عنها في صحيح البخاري وذلك أن عروة بن الزبير رضي الله عنه سأل عائشة رضي الله عنها عن قول الله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى?} فقالت يا ابن أختي، هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في حاله ويعجبه مالها، وجمالها فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا لهن أعلى سنتهن في الصداق، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن.

قال عروة رضي الله عنه: قالت عائشة رضي الله عنها: وإن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية، فأنزل الله {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ} قالت عائشة: (قول الله تعالى في آية أخرى: {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال، قالت: فنهوا أن ينكحوا عن من رغبوا في ماله وجماله في يتامى النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال)(14).

وفي صحيح البخاري: عن عائشة – رضي الله عنها – أن رجلاً كانت له يتيمة فنكحها، وكان لها عذق وكان يمسكها عليه ولم يكن لها من نفسه شيء فنزلت هذه الآية(15).

وهذا إخبار عن الحالة الموجودة الواقعة في ذلك الوقت، فإن اليتيمة إذا كانت تحت ولاية الرجل بخسها حقها، وظلمها إما بأكل مالها الذي لها، أو بعضه، أو منعها من التزوج، لينتفع بمالها، خوفاً من استخراجه من يده إن زوّجها، أو يأخذ من مهرها الذي تتزوج به، بشرط أو غيره، أو يرغب فيها وهي ذات جمال ومال ولا يقسط في مهرها، بل يعطيها دون ما تستحق وجميع هذه الصور ظلم(16).

  


(1) سورة النساء: 4

(2) تفسير الطبري: 3/161

(3) تفسير السعدي: 130

(4) تفسير ابن الجوزي 2/10-11

(5) تفسير الطبري: 7/553

(6) في ظلال القرآن: 2/585

(7) سورة النساء: 24

(8) تفسير البغوي 2/193-195

(9) سورة النساء: 25

(10) تفسير ابن كثير: 1/518

(11) منهج القرآن في رعاية ضعفاء المجتمع عماد زهير 34/35

(12) سورة النساء: 3

(13) سورة النساء: 127

(14) صحيح البخاري مع الفتح، كتاب التفسير باب قوله: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى): 8/239

(15) صحيح البخاري مع الفتح، كتاب التفسير باب: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى) 8/238. و العذق: النخلة.

(16) تفسير السعدي: 169.