بحث عن بحث

 

رعاية النساء في ضوء سورة النساء  (9-15)

 

المطلب الرابع/ تقييد التعدد وتنظيمه:

 

التقييد في مشروعية التعدد، ولا شك أن له حكماً جليلة، وفوائد عديدة. ولكن هناك من يغفل عن حكم التعدد، ويجهل الأسباب الداعية إليه، أو الشروط اللازمة له، ولا يخطر بباله العواقب الناجمة عنه.

فينبغي لمن أراد التعدد أن يستشعر حِكَمه وأن ينظر في حاله وحاجته، ومدى ملائمة التعدد له، وأن يلتزم شرطه وهو: حق المرأة ألا وهو العدل وقد عالجت هذه السورة قضية التعدد ونظمته.

قال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى? فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى? وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَ?لِكَ أَدْنَى? أَلَّا تَعُولُوا }(1).

أي: إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فتعدلوا فيها فكذلك فخافوا ألا تقسطوا في حقوق النساء التي أوجبها عليكم فلا تتزوجوا منهن إلا ما أمنتم معه عدم الجور؛ لأن النساء في الضعف كاليتامى(2).

 

والذي يظهر في الآية أن نزول الرجل إلى العدد الذي لا يخاف معه العدل أقرب إلى عدم الجور، إذاً فيكون قوله: {أَدْنَى? أَلَّا تَعُولُوا} في معنى قوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا} ومن ثَمَّ فإنه يفيد زيادة تأكيد كراهية الجور(3)، فالله - تبارك وتعالى – أكد وجوب تحري العدل وترك الجور في هذه الآية الكريمة تحقيقاً لما يريده من حفظ حق المرأة.

ثم إن العدل المطلوب هو التسوية بين النساء في النفقة والمعاشرة وسائر الأوضاع الظاهرة بحيث لا ينقص الرجل إحدى زوجاته شيئاً منها، وبحيث لا يُؤْثر واحدة دون غيرها بشيء منها.

 

{مَثْنَى? وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ}، وإن خفتم – أيضاً – في ذلك فواحدة، وإن خفتم في الواحدة فمما ملكت أيمانكم، لا هن أملاككم ولا يلزمكم لهن من الحقوق كالذي يلزمكم للحرائر فيكون ذلك أقرب إلى السلامة من الإثم والجور.

 

قال ابن القيم – رحمه الله - : " إن سياق الآية إنما هو فيما يخافون الظلم والجور فيه إلى غيره، فإنه قال في أولها: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا....} فدلهم سبحانه وتعالى على ما يتخلصون به من ظلم اليتامى؛ وهو نكاح ما طاب لهم من النساء البوالغ وأباح لهم منه، ثم دلهم على ما يتخلصون به من الجور والظلم في عدم التسوية بينهن، فقال: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا...} ثم أخبر سبحانه أن الواحدة وملك اليمين أدنى إلى عدم الميل والجور، وهذا صريح في المقصود(4).

 

وزيادة في تقرير هذه القضية قال تعالى: { وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ  فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا}(5)، فإن الله يبين في هذه الآية عدم استطاعة الرجل التسوية بين نسائه – ولو حرص – فيما لايملك وهو: الميل القلبي، إذ أنه لابد من التفاوت فيه فهو مما يملكه الله والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ولا حرج في ذلك ولا مؤاخذة، إنما الحرج في التفاوت فيما أمر فيه بالعدل، فلا ينبغي الميل تجاه واحدة من الأزواج ميلاً يترتب عليه تعمد في التقصير والإهمال لغيرها وهذا هو المحذور(6).

 

{ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا} أي: من المحال أن تقدروا على أن تعدلوا بينهن بحيث لا يقع ميل ما إلى جانب إحداهن في شأن من الشؤون البتة وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل.

{ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} أي: على إقامة العدل وبالغنم في ذلك { فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ} أي: فلا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور، واعدلوا ما استطعتم، فإن عجزكم عن حقيقة العدل إنما يصحح عدم تكليفهم بها لا بما دونها من المراتب الداخلة تحت استطاعتكم.

{ فَتَذَرُوهَا} أي: التي ملتم عنها، { كَالْمُعَلَّقَةِ} التي ليست ذات بعل أو مطلقة.

{وَإِنْ تُصْلِحُوا} ماكنتم تفسدون من أمورهن، {وَتَتَّقُوا} الميل فيما يستقبل.

{ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا} يغفر لكم ما فرط منكم من الميل {رَحِيمًا}(7).

 

ومما ينبغي أن تجدر الإشارة إليه في هذا المطلب مسألتان:

الأولى: أن في ذات تشريع التعدد رعاية للمرأة من عدة أوجه:-

منها: أن التعدد يعين على كفالة النساء اللاتي هن أكثر من الرجال في كل أمةٍ.

ومنها: أن المرأة قد تكون عقيماً لا تلد، والرجل يرغب في أبناء له، فلولا وجود التعدد لطلق العقيم واستبدل بغيرها من تلد له ولا ريب أن هذا يسيء إلى المرأة، فكان التعدد حلاً روعي فيه جانب المرأة في مثل هذا الوضع، كما أنه قد تعتري المرأة بعض العلل المانعة لها من أداء واجباتها الزوجية كالأمراض المستعصية، فلولا وجود التعدد لطلقها وليس في هذا معنى للوفاء والمروءة بل فيه معنى لنبذ المرأة المريضة وضياعها.

 

الثانية: أن في تحديد العدد إلى أربع نساء لمن أراد التعدد رعاية للمرأة أيضاً، إذ كان العرب في الجاهلية يبيحون التعدد دون شرط أو قيد، وكانوا يمارسونه إلى أبعد الحدود، ولا ريب أن أحوال النساء المتزوجات في الجاهلية خالية عن العدل والإنصاف بهن.

 

وكان الرجل حينذاك لا يهتم بجانب العدل بينهن لا يعبأ بذلك، بل همه أن يجمع ما أراد من النساء لإشباع رغباته المختلفة(8).

فجاء التحديد والتقييد في هذه السورة رعاية لحق المرأة وحماية لها.

 

 


(1) سورة النساء: 3

(2) تفسير الطبري: 3/157، تفسير البغوي: 2/161

(3) التحرير والتنوير لابن عاشور: 4/228

(4) تحفة المودود في أحكام المولود لابن القيم: 8.

(5) سورة النساء: 129.

(6) منهج القرآن الكريم في رعاية ضعفاء المجتمع: 53-54.

(7) تفسير أبي السعود 2/240.

(8) منهج القرآن الكريم في رعاية ضعفاء المجتمع: 55 - 57