بحث عن بحث

 

رعاية النساء في ضوء سورة النساء  (10-15)

 

المطلب الخامس/ علاج الشقاق والنشوز الواقع عليها:

أن هذه السورة كما راعت حق المرأة في حسن العشرة كفلت لها العلاج حين الاختلاف، وحين النشوز سواء أكان من جانبها هي، أو من جانب الرجل أو من كليهما معاً.

أ‌) جانب المرأة:

قال تعالى: { وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا}(1).

{ نُشُوزَهُنَّ} أي: عصيانهن وترفعهن عن طاعة الأزواج، {فَعِظُوهُنَّ} خوفوهن عقوبة الله تعالى والضرب والعظة كلام يلين القلوب القاسية ويرغب الطبائع النافرة.

{ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ} في المراقد أي: لا تداخلوهن تحت اللحف؛ وهو كناية عن الجماع، أو هو أن يوليها ظهره في المضجع؛ لأنه لم يقل عن المضاجع، {وَاضْرِبُوهُنَّ} ضرباً غير مبرح، أم بوعظهن أولاً، ثم بهجرانهن في المضاجع ثم بالضرب إن لم ينجع فيهن الوعظ والهجران.

{ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ } بترك النشوز {فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا } فأزيلوا عنهن التعرض بالأذى { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} أي: إن علت أيديكم عليهن فاعلموا أن قدرته عليكم أعظم من قدرتكم عليهن فاجتنبوا ظلمهن، وأن الله كذلك علياً كبيراً وإنكم تعصونه على علو شأنه وكبرياء سلطانه وهو يغفر ويتوب عليكم سبحانه(2).

وهذا التدرج فيه رعاية لحق المرأة وعناية بها.

 

ب‌) جانب الرجل والمرأة:

وبعد ذلك إن حدث شقاق وخلاف بين الزوجين وخاف الأولياء من زيادة العداوة والاختلاف وهو النفور من الزوجين، ذكرت السورة العلاج الناجح لذلك فقال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا}(3)، أي: وإن علمتم أيها الناس شقاق بينهما وذلك مشاقة كل واحد منهما صاحبه وهو: إتيانه ما يشق عليه من الأمور، فأما من المرأة النشوز وتركها آداء حق الله عليها الذي ألزمها الله لزوجها، وأما من الزوج فتركه إمساكها بالمعروف، أو تسريحها بإحسان(4).

قال تعالى: { فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} فيبعث الحاكم ثقة من أهل المرأة، وثقة من قوم الرجل ليجتمعا فينظرا في أمرهما ويفعلا ما فيه المصلحة مما يريانه من التفريق أو التوفيق وتشوف الشارع إلى التوفيق ولهذا قال تعالى: { إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا}(5).

ومن الحكمة الإلهية في علاج هذه القضية: أن نُص على أنه ينبغي أن يكون الحكمان من أهله، ومن أهلها وإن كان يجوز أن يبعث غيرهما؛ لأن ذلك أدعى للوفاق وإقامة العدل، فهما أعرف ببواطن حالهما من الأجانب، وأشد طلباً لإصلاح ما بينهما من الشقاق(6)، وإذا تعذّر الاتفاق، فإنه لا بأس بالفراق، فقال تعالى: { وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا}(7)، فيغني الزوج بزوجةٍ خيراً له منها، ويغنيها من فضله، وإن انقطع نصيبها من زوجها، فإن رزقها على المتكفل بأرزاق جميع الخلق، ولعل الله يرزقها زوجاً خيراً منه(8).

 

جـ) جانب الرجل:

وأولى المواطن وأحراها بالرعاية حين يكون النشوز والإعراض من جانب الرجل، إذ قد تهدد كرامة المرأة، وحياتها بسببها فتخشى أن تؤدي النفرة الحاصلة إلى تطليقها، أو تعليقها، فكانت الآية الآتية في علاج مثل هذه الحالة، قال الله تعالى: { وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ }(9).

وعن عائشة – رضي الله عنها -  أنها قالت في الآية: الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها فتقول: أجدك من شأني في حل، فنزلت هذه الآية في ذلك(10).

{ وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ} توقعت من بعلها التباعد والإعراض بأن لا يكلمها، ولا يأنس بها { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ } والصلح خير: لفظ عام يقتضي أن الصلح الحقيقي الذي تسكن إليه النفوس، ويزول به الخلاف خيرٌ على الإطلاق، ويدخل في هذا المعنى جميع ما يقع عليه الصلح بين الرجل وامرأته في مال أو وطء أو غير ذلك.

{ خَيْرٌ } أي: خير من الفرقة، فإن التمادي على الخلاف والشحناء والمباغضة هي قواعد الشر(11) لذا كان العلاج لهذه الحالة هو الصلح.

وبهذا تكتمل أوجه عناية السورة بالمرأة في جميع حالات الشقاق والنشوز، سواء كان من جانبها أو من جانب الزوج أو من كليهما معاً، ولله الحمد أولاً وآخراً.

 

 


(1) سورة النساء: 34

(2) مدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي: 1/225-226.

(3) سورة النساء: 35.

(4) تفسير الطبري 5/71.

(5) تفسير ابن كثير 1/494.

(6) روح المعاني 5/26-27.

(7) سورة النساء: 130.

(8) تفسير السعدي: 221-222.

(9) سورة النساء: 128.

(10) أخرجه البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، باب: (وأحضرت الأنفس الشح): 8/265.

(11) تفسير القرطبي 5/403-406.