بحث عن بحث

 

رعاية النساء في ضوء سورة النساء  (12 - 15)

 

 

ثالثاً/ الرعاية الاجتماعية والسياسية:

 

الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الخالق سبحانه وتعالى لخلقه، وهو ينظر للمرأة على أنها أحد شقي الإنسانية، وأحد طرفي المجتمع، فجاءت أحكامه مناسبة لها وملائمة وليس فيها تكليف ولا مشقة عليها، وكفل لها العديد من الحقوق الاجتماعية والسياسية التي تجلت فيها عنايته ورعايته لها مما يكفل الحياة الهنيئة والسعادة في الدنيا والآخرة.

وهذه السورة ذكرت فيها صور لهذه الرعاية والعناية، وهي على النحو التالي:

المطلب الأول: رعاية المرأة أماً وأختاً وبنتاً وفرداً من أفراد المجتمع

سبق ذكر رعاية المرأة زوجةً، وهنا نتحدث عن رعايتها أماً وأختاً وبنتاً وفرداً من أفراد المجتمع بصورةٍ مجملةٍ في ضوء هذه السورة.

فحقوق المرأة أماً، يتمثل في هذه السورة في رعايته لها أولاً في الأمر ببرها والإحسان إليها فقال تعالى: { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا }(1).

فهنا أمر سبحانه بالتوحيد، ونهى عن الشرك ثم ثنى بقضية البر مما يدل على أهمية هذه القضية الخطيرة.

قال العلماء: فأحق الناس بعد الخالق المنان بالشكر والإحسان والتزام البر والطاعة له والإذعان من قرن الله عز وجل الإحسان إليه بعبادته وطاعته وشكره بشكرهما وهما الوالدان(2).

والأم أحق بحسن الصحبة كما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم حينما جاءه رجل فقال له: من أحق الناس بحسن صحابتي، فأجابه الرسول صلى الله عليه وسلم:" أمك "، قال: ثم من؟ قال:" أمك "، قال: ثم من؟ قال:" أمك "، قال: ثم من؟ قال:" أبوك "(3).

كما أن السورة قررت للأم ميراثاً محدداً وقد حث الله على التزام شرعه في المواريث مقرراً حق الوالدين وراداً على من قدم أولاده على والديه فقال عز وجل: { آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا..}(4)، أي: لا تعلمون أيهم أنفع لكم في الدين والدنيا فمنكم من يظن أن الأب أنفع لولده فيكون الابن أنفع له، وأنه سبحانه هو العالم بمن هو أنفع لكم، وقد دبر أمركم على ما فيه المصلحة فاتبعوه(5).

وقد جعل الله سبحانه وتعالى للأم حرمة فقال: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ...}(6).

وحقوق المرأة أختاً أو بنتاً أو أي فردٍ من أفراد المجتمع تتمثل في هذه السورة في تقرير حقها في الإحسان إليها فقال سبحانه وتعالى: { وَبِذِي الْقُرْبَى? }(7).

قال ابن كثير: (وكثيراً مايقرن الله سبحانه وتعالى بين عبادته والإحسان إلى الوالدين ثم عطف على الإحسان إليهما الإحسان إلى الأقارب من الرجال والنسا)(8).

وكذا قرر لها حقها في عدم العضل، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ ..}(9)، وذلك أن الأولياء في الجاهلية كانوا يمنعون النساء من التزويج ليرثوهن فنهاهم الله سبحانه وتعالى عن ذلك(10).

وجعل لها حرمة فنظم قضية الزواج وحفظ الأنساب، فقال تعالى: { وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا * حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا }(11).

ولا يخفى ما في هذا الأمر من حفظ وصيانة ورعاية للمرأة.

 

كما قرر حقها في الميراث، ففي هذه السورة تفصيلٌ لميراث المرأة أياً كانت أماً أو زوجةً أو أختاً، أو بنتاً، أما ميراث الزوجة فقد قال تعالى: { وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ }(12).

وفي ميراث الأم قال تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ .. }(13).

وفي ميراث الأخت قال تعالى: { وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَ?لِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ }(14)، وفي آخر السورة قال تعالى: { يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ }(15).

وفي ميراث البنت قال تعالى: { يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ.. }(16).

وفي ميراث النساء عموماً قال تعالى: {وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا }(17)، وهنا أفرد الله ذكر النساء بعد ذكر الرجال ولم يقل للرجال والنساء نصيبٌ، للإيذان بأصالتهن في هذا الحكم، ودفع ما كانت عليه الجاهلية من عدم توريث النساء(18).

 

                           هذه السلسلة بقلم

                         أ.د. إبتسام بدر الجابري

 


(1) سورة النساء: 36.

(2) تفسير القرطبي: 5/182-183.

(3) صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الأدب، باب: من أحق الناس بحسن الصحبة، 10/401، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(4) سورة النساء: 11.

(5) معالم التنزيل للبغوي: 1/403.

(6) سورة النساء: 23.

(7) سورة النساء: 36.

(8) تفسير ابن كثير 1/540.

(9) سورة النساء: 19.

(10) زاد المسير: 2/41.

(11) سورة النساء: 22-23.

(12) سورة النساء: 12.

(13) سورة النساء: 11.

(14) سورة النساء: 12.

(15) سورة النساء: 176.

(16) سورة النساء: 11

(17) سورة النساء: 7.

(18) فتح القدير: 1/689.