بحث عن بحث

 

رعاية النساء في ضوء سورة النساء (14-15)

 

 

المطلب الثالث: حق العمل والتملك والميراث والتصرف المالي

لقد رفع الله الإسلام عن كاهل المرأة عبء العمل لتنفق على نفسها، وكلّف أباها أو أخاها أو زوجها أو أحد أقاربها بالإنفاق عليها.

وإذا شاءت العمل فلتعمل بعمل تخصصت فيه، يلائم أنوثتها، ويحفظ كرامتها ويصون دينها وأخلاقها.

وفي السورة تقرير لحق المرأة فيما تكسب من مالٍ، ومالها من حقٍ في المهر أو الميراث ومن ثم التصرف المالي.

قال تعالى: ( وَآتُوا الْيَتَامَى? أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى? أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى? فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى? وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ )(1). ففي الآية أمر بدفع المال لليتامى سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً إذا آنسوا منهم رشداً، وكذا نهوا عن ظلم الإناث اليتامى اللاتي ملكن مالاً أو الجور في حقهن في المهور بحيث لا تعطى حقها.

وفي الحديث عن قول الله تعالى: ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى?..)(2) أن عروة بن الزبير سأل عائشة رضي الله عنها عن قوله تعالى: ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى?..) فقالت: يا ابن أختي، هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا عن أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن، قالت عائشة: وقول الله تعالى: ( وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ )(3) رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال، قالت: فنهوا أن ينكحوا عن من رغبوا في ماله وجماله في يتامى النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال)(4).

وكذا قال تعالى: ( وَابْتَلُوا الْيَتَامَى? حَتَّى? إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ )(5).

قال القرطبي: (ففي هذه الآية دلالة واضحة على أن المال يدفع للجارية في حال البلوغ وإيناس الرشد، وإذا كانت جارية رد إليها ما يرد إلى ربة البيت من تدبير بيتها، والنظر فيه).

ويقع الاختبار على قول جماعة من الفقهاء: بأن يرد للجارية ما يرد إلى ربة البيت من تدبير بيتها والنظر فيه: في الاستغزال، والاستقصاء على الغزّالات، ودفع القطن وأجرته، واستيفاء الغزل وجودته، فإن رآها رشيدة سلم أيضاً مالها، وأشهد عليها.

وقال الحسن ومجاهد وغيرهما: (اختبروهم في عقولهم وأديانهم وتنمية أموالهم 6)).

وكذا قال الطبري: (فأمر أولياء اليتامى بدفع أموالهم إليهم إذا بلغوا النكاح وأونس الرشد وقد يدخل في اليتامى الذكور والإناث، فلم يخصص بالأمر بدفع ما لهم من الأموال للذكور دون الإناث، ولا الإناث دون الذكور)((7.

ومما سبق يتبين جواز عمل المرأة، وتكسبها فيما هو لائق بها.

وقال تعالى في إقرار حق المرأة في التصرف المالي كذلك: ( وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً)8)) ، أي: يجب على الرجل أن يعطي المرأة صداقها طيباً بذلك، فإن طابت هي له به بعد تسميته، أو عن شيء منه فليأكله حلالاً طيباً(9).

وفي هذا دلالة على أحقيتها في التصرف المالي، ونهى سبحانه وتعالى في هذه السورة الرجال عن عضل المرأة لأخذ مالها فقال عز وجل: ( وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ...)((10

وليس للزوج كذلك أن يأخذ ما أعطاه للزوجة ولو كان قنطاراً، ( وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا(11))، بل زاد في تشنيع الأمر فقال عز وجل: ( أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ) ثم عقّب كذلك بقوله سبحانه وتعالى: ( وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى? بَعْضُكُمْ إِلَى? بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا )((12.

وقد ورد عن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ أنه قال: (اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله)(13).

وكما أن للمرأة حقّ في الميراث، كذلك لها حق في إنفاذ وصيتها وإبراء ذمتها إن كان عليها دينٌ قال تعالى: ( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ..)(14) قال الطبري: (ذلكم لكم ميراثاً عنهن مما يبقى من تركاتهن وأموالهن من بعد قضاء ديونهن التي يمتن وهي عليهن ومن بعد إنفاذ وصاياهن الجائزة إن كن أوصين بها(15).


(1) سورة النساء: 2-3.

(2) سورة النساء: 2.

(3) سورة النساء: 127.

(4) صحيح البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، باب: "وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى: 8/238-239

(5) سورة النساء: 6.

(6) تفسير القرطبي: 6/34.

(7) تفسير الطبري:3/166

(8) سورة النساء: 4.

(9) تفسير ابن كثير: 1/490.

(10) سورة النساء: 19.

(11) سورة النساء: 20

(12) سورة النساء: 21.

(13) أخرجه مسلم في الحج، باب حجة النبي r، من حديث جعفر بن محمد عن أبيه، قال: دخلنا على جابر ابن عبدالله: 513، حديث: 1218.

(14) سورة النساء: 12.

(15) تفسير الطبري: 3/191.