بحث عن بحث

 

رعاية النساء في ضوء سورة النساء  (15-15)

 

المطلب الرابع: حق الحماية الحفظ

لقد كفل الله للمرأة الحماية، وإن لم يوجب عليها الجهاد، ولا الهجرة، وأوجب القصاص، والدية على من قتل امرأةً على حسب حاله، وفي هذا حماية لها وأمن ورفع حرجٍ عن المرأة الضعيفة، فقال سبحانه وتعالى: ( وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَ?ذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا  ) ْ(1).

وهذا حث من الله لعباده المؤمنين، وتهييج لهم على القتال في سبيله، وأن ذلك قد تعين عليهم ووجه اللوم العظيم لهم بتركه فقال عز وجل: ( وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ..)

والحال أن المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة، ولا يهتدون سبيلاً ونالهم أعظم الظلم من أعدائهم فصار جهادكم على هذا الوجه من باب القتال والذب عن عيلاتكم وأولادكم ومحارمكم، وهذا أعظم صور الجهاد(2) فالرجل ملزم بحمايتها والذب عنها.

وقد فضل الله عز وجل الرجال على النساء في قوله تعالى: ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ) (3)وتفضيل الرجال من صوره اختصاصهم بالجهاد في سبيل الله(4)  مما فيه صيانة وحماية للمرأة.

ورفع الله الحرج عن النساء في إيجاب الهجرة فقد قال الله عز وجل موبخاً من ترك الهجرة: ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ? قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ? قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ? فَأُولَ?ئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ? وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) (5)

فهذه الآية عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين، وهو قادر على الهجرة وليس متمكن من إقامة الدين فهو ظالم لنفسه مرتكباً حراماً بالإجماع، ثم استثنى المستضعفين على الحقيقة، الذين لا قدرة لهم على الهجرة فقال تعالى: ( إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا )(6) وهذا عذر من الله لهؤلاء في ترك الهجرة؛ وذلك أنهم لا يقدرون على التخلص من أيدي المشركين(7)

وكذا حرّم الله القتل العمد، وأوجب الدية على القتل الخطأ فقال تعالى: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ? وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى? أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ? فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ? وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى? أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ? فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ ? وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ) (8) ، والآية في الرجال والنساء، فإذا قتل الرجل المرأة عمداً فعليه القصاص، وإذا قتلها خطئاً فعليه الدية، وفي هذا الحكم حفظ لنفس المرأة وحياتها، فلا يتجرأ أحد على التعدي عليها بالإزهاق والإتلاف.

وكذا الحال في العرض حيث حفظ الله لها عرضها، فحرّم الله التعدي عليها؛ فشرع حداً للزنا والقذف، ووضع لها الضوابط والقيود الشرعية: لخروجها، ولباسها، ومخاطبتها، كل ذلك حتى لا يتعرض لها متعرض، ووضع لذلك العقوبات والروادع المناسبة لكل حالةٍ بحسبها.

وكذلك حفظ لها حقوقها المالية فجعل لها حرية التملك والسعي في طرق الكسب الحلال، ونهى عن التعدي على مالها، وأكله بالباطل، أو من غير طيب نفس

ومن خلال النظر إلى جميع ما سبق نجد الاهتمام الكبير والواضح في الشريعة الإسلامية على حماية ورعاية المرأة، وكمال تلك الحماية والرعاية والحفظ في جميع الأحوال والصور.

ولله الحمد والأمر أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً .


(1) سورة النساء: 75.

(2)تفسير السعدي: 198.

(3)سورة النساء: 34.

(4)تفسير البغوي: 2/207، فتح القدير: 1/460، تفسير السعدي: 186.

(5)سورة النساء: 97.

(6)سورة النساء: 98.

(7)تفسير ابن كثير: 1/596.

(8)سورة النساء: 92