بحث عن بحث

 

 

الحلقة (34) لتدوم نسائم السعادة في بيوتنا(1)(1-5)

 

الحياةُ الهانِئَة ضرورةٌ من ضَرورات الحياةِ؛ ليستقرَّ المجتمَع ويحصلَ النمَاء والبناء ويتفرّغَ الخلقُ للعبادةِ والعِمارةِ، والنفس البشريّة قد جُبِلت على أن تسكنَ وتطمئنَّ إلى نفسٍ أخرَى، لذا قال الله تعالى في معرض ذكرِ نِعمه الوفيرةِ وآياته الكثيرة: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} الرّوم:21. نَعَم، أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا، ولم يقل: لتسكنوا معها، فهو دليلٌ على أنّ الزواجَ سكنٌ واستقرار وهَدأة وراحةُ بال. ومِن هنا جاءت أهمّيّة الزواج في الإسلام والعِنايةُ بالأسرة، فرغَّب الشرع في الزواجِ وحثَّ على تيسيرهِ وتسهيلِ طريقه، ونهى عن كلِّ ما يقِف في سبيلِه أو يعوق تمامَه ويعكِّر صَفوَه، فأمَرَ الله به في قوله: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} النسا:3، وقال: {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} النور:32

وفي الصحيحين أنّ النبيَّصلي الله عليه وسلم قال: «يا معشرَ الشباب، من استطاعَ منكم الباءةَ فليتزوَّج»(2)، فالزّواجُ من سُنن المرسلين وهديِ الصّالحين.

 

لقد عُنِي الإسلام بتكوين الأسرةِ المسلمة واستصلاحِها؛ لأنَّ الأُسَرَ أساس المجتمع الذي يقوَى ويشتدّ بقَدر التماسُك وترابُط أُسَره، ولذا شبَّه النبيّ صلى الله عليه وسلم المسلمين بالبُنيانِ المرصوص الذي يشدُّ بعضه بعضًا(3) ، فأمر بتزويجِ الأكفَاءِ، ونهى عن عَضلِ النساء(4) ، وبيَّن في الكتابِ والسنة الحقوقَ والواجباتِ بين الزوجين، ذلك أنَّ استقرار البيوت وصلاحَ الأسَر لا يكون إلاّ باستقرارِ الزوجين ونجاحِهما في حياتهما الزوجيّة. كما أنَّ فاقدَ الشيءِ لا يعطيه، فالأب والأمّ التعيسَين في حياتهما الزوجيّة لن يقدِّما لمجتمعِهما شيئًا، فضلاً أن ينشِئا أجيالاً صالحِين قادِرين على البناءِ والقيادَة. فالزواج الناجحُ نجاحٌ للمجتمَع، أمّا خراب البيوتِ فهو خرابُ الدّيار، لذا قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «إنّ إبليسَ يضَع عرشَه على الماء، فيبعَث سراياه، فأدناهم منه منزلةً أعظمهم فتنةً. يجيء أحدُهم فيقول: فعلتُ كذا وكَذا، فيقول:ما صنعتَ شيئًا، ثمّ يجيء أحدُهم فيقول: ما تركتُه حتى فرَّقتُ بينه وبين امرأتِه، قال: فيدنيه منه ويقول: نِعمَ أنت»(5).

وإذا كان هذا شأنَ إبليس الرجيمِ فإنّ أتباعَه من المفسدين قد حَرصوا على هدمِ هذا الكيان وتفكيكِ أواصرِ المجتمَع وروابطِه عن طريقِ تفكِيكِ الأسَر، حتى انتشرَت معدَّلات الطلاق بشكلٍ مخيف، وارتفَعَت نسبة العُنوسة بشكل أسوَأ، ولا شكَّ أنّ في هذا خطرًا كبيرًا، ففيه تفرُّق المجتمَع وضياع الأولادِ وعنوسةُ النّساء وانتشار الفساد ونَبات الضغينة بين الأسر. إنَّ الواجبَ على المربِّين والمصلحين والإعلاميِّين العنايةُ بهذا الجانِب، فانتشارُ المشكِلات الزوجيّة وتشعُّبها وتنوّعها مؤذنٍ بالخَطَر، فما بين زَعزَعة البيوت وهدمِها تدور المعضِلات.


(1)  من خطبة للشيخ صالح آل طالب، بالمسجد الحرام في 27/6/1425هـ (المنبر) بتصرف نقلته أمة الله بنت عبد المطلب مشرفة المنتديات النسائية بموقع مكتبة المسجد النبوي الشريف في كتاب أسمته رفقاص بالقوارير وذكرت فيه:[ لقد قمت بجمع هذه الموضوعات من المواقع الإسلامية التي على منهج السلف الصالح أهل السنة والجماعة بعد مراجعتها وإعدادها لتصل إليكم في شكل يناسب الأسرة المسلمة التي تريد الاستقامة على منهج الله فتظفر بالسعادة في الدنيا والآخرة، وقد تعمدت ذكر بعض الأخلاق الكريمة التي يجب أن تتحلى بها الأسرة مثل الصبر وإصلاح عيوب النفس والتي هي من سبيل الفوز في الدارين.

وتم تمييز الآيات القرآنية مع بيان رقم السورة والآية، وتم حذف الأحاديث الضعيفة ووضع الأحاديث الصحيحة عوضاً عنها مع تخرج كافة الأحاديث والآثار واستبدال الألفاظ غير المطابقة لما ورد في دواوين الإسلام بما هو وارد فيها، ولو كان الحديث في أحد الصحيحين فأكتفي بذكرهما، وإن كان في غيرهما فاقتصر على ذكر بعض الطرق الصحيحة وبخاصة من السنن الأربعة، ثم اذكر رقم الحديث حسبما ورد في كتب السنة، كما وردت في المقالات بعض العبارات بدون ذكر الدليل عليها فتم إضافة الأدلة الصحيحة في الهوامش، فما كان من توفيق فمن الله وحده وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان

(2) البخاري 5065، مسلم 1400

(3) البخاري 459،226،5567 ولفظه «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ» ، والنسائي 2513، والترمذي 1851

(4) لقوله تعالى {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} البقرة: 232

(5)  مسلم 2813