بحث عن بحث

المبحث السابع: مسائل في الدعوة والتوجيه

المسألة الثالثة: أهمية الأسلوب الحسن للداعية، أو مراعاة الأسلوب المناسب في الدعوة:

هذا الحديث العظيم فيه دروس مهمة للداعية أثناء ممارسته للدعوة وقيامه بها، ولعلي في هذا المقام أشير إلى أمرين عظيمين ينبغي مراعاتهما في أساليب الدعوة إلى الله.

الأمر الأول: مراعاة حال المدعوين، والاستعداد لهم بما يناسب حالهم من العلم وقوة الحجة، فكما أن الطبيب لا يمكن أن يؤدي مهمته الطبية بنجاح دون التسلح بسلاح العلم الطبي الذي يعرف به الداء والدواء، فكذلك الداعية لا يمكن أن يتوصل إلى إقناع الناس بالدعوة، ولا يمكن أن يعرف الناس بما هم فيه من أخطاء، ولا يمكن أن يقوم سلوك المعوج، ولا يمكن أن يعلم الناس الخير إلا إذا كان متسلحًا بسلاح العلم الشرعي، المبني على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فالداعية إلى الله، والآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر، مهندس وبناء، ولا يمكن أن تبنى الدعوة إلى الله، أو يقوم المعروف، أو ينهى عن المنكر إلا بما يجب أن يقوم به بناء الدين كله، وهو العلم الشرعي، ألا ترى إلى رسول الله غ يقول لمعاذ بن جبلا: «إنك ستأتي قومًا أهل كتاب«.

قال العلامة ابن دقيق العيد: «لعله للتوطئة والتمهيد للوصية باستجماع همته في الدعاء لهم، فإن أهل الكتاب أهل علم، ومخاطبتهم لا تكون كمخاطبة جهال المشركين، وعبدة الأوثان في العناية بها«(1).

ويقول الحافظ ابن حجر: «قوله: «ستأتي قومًا أهل كتاب» هي كالتوطئة للوصية، لتستجمع همته عليها؛ لكون أهل الكتاب أهل علم في الجملة، فلا تكون العناية في مخاطبتهم كمخاطبة الجهال من عبدة الأوثان«(2).

وإن الذي يقدم على قوم ولم يتمكن مما يتطلبه موقفه من الناحية العلمية؛ فلا شك أن هذا سيحدث ردودًا عكسية، ليس على الشخص فحسب، وإنما على ما يحمله من الدعوة والخير، وأن الذي يراعي ما يتطلبه أحوال المدعوين من العلم، وقوة الحجة؛ سيحقق ثمار الدعوة التي يدعو إليها في الدنيا والآخرة.

وإننا إذا تمعنا في القرآن الكريم والسنة المطهرة وجدنا ما يشير إلى هذه المسألة بوضوح، يقول الله تعالى: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}(3).

فكيف يدعو الداعي بهذه الأمور إذا لم يراعِ أحوال المدعوين بالاستعداد لهم بالعلم وقوة الحجة.

ويقول الله ﻷ: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ ۗ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۗ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَوْا ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}(4).

ولعل من البصيرة العلم بما يدعو إليه الداعي ويأمر به وينهى عنه، ومن البصيرة العلم بأحوال المدعوين وما يحتاجون إليه.

فعلى من يتصدى للدعوة إلى الله ﻷ وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يتأمل جيدًا في أسلوبه وطريقته، وأن يتأمل في نفسه ومدى استعداده، وأن يتأمل في القوم الذين يدعوهم ويأمرهم وينهاهم، وبهذا نعلم أن مقام العامة يختلف عن مقام الطلاب، ومقام المسلمين غير مقام الكفار، ومقام النساء يختلف عن مقام الرجال، وهكذا فلكل مقام مقال. والله أعلم.

الأمر الثاني: وهو يتعلق -أيضًا- بالأسلوب والطريقة، ذلكم هو التدرج في عرض الدعوة تدرجًا مناسبًا يكون محل قبول عند المدعوين، وهذا لا شك أنه أمر مهم جدًّا لقبول الدعوة واستجابة المدعو، ألا ترى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوصي معاذًا ا أن يبدأ في الأهم فالمهم، فأمره أن يبدأ بالشهادتين؛ فإن استجابوا فيأمرهم بالصلاة، ثم الزكاة... وهكذا، ولم يأمره بأنْ يلقي إليهم هذه التوجيهات دفعة واحدة؛ لأنه من المحتمل لو ألقيت عليهم جملة واحدة لنفروا من الدعوة ولم يقبلوها.

وهذه الطريقة هي التي اتخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم في مباشرته للدعوة، فكانت حياته صلى الله عليه وسلم في مكة كلها دعوة إلى التوحيد، ونبذ الشرك، ولم يكن يأمرهم بغير هذا إلا بما يتطلبه المقام، والآيات المكية خير شاهد على ذلك، ولم تبدأ التكاليف العملية أو أغلبها إلا في المدينة.

ولعل من البصيرة في أحوال المدعوين أن يبدأ بالتدرج معهم، يبدأ بالأمر الأهم فالمهم، وهكذا.

يقول الحافظ ابن حجر :: «وقيل: الحكمة في ترتيب الزكاة على الصلاة: أن الذي يقر بالتوحيد ويجحد الصلاة يكفر بذلك، فيصير ماله فيئًا، فلا تنفعه الزكاة.

وأما قول الخطابي: إن ذكر الصدقة أخر عن ذكر الصلاة؛ لأنها إنما تجب على قوم دون قوم، وأنها لا تكرر تكرار الصلاة فهو حسن، وتمامه أن يقال: بدأ بالأهم فالأهم، وذلك من التلطف في الخطاب لأنه لو طالبهم بالجميع في أول مرة لم يأمن النفرة« (5).

وإن من أهم الأمور في هذا المقام أن يركز الداعي في دعوته إلى تصحيح العقيدة ودلالة الناس عليها؛ لأنها إذا صحت بُنيت بقية أعمال المرء على أمر صحيح، وإذا لم تصح فسيكون البناء قائمًا على غير أساس صحيح، وأن الذي يتجه إلى إصلاح الأخلاق والسلوك، مع كون العقيدة غير صحيحة، كمن يزخرف بنيانًا بني على أساس منهار.

وعليه: فينبغي للدعاة إلى الله ﻷ أن يكونوا على بصيرة في دعوتهم، وأن يراعوا مقتضى الحال، وأن يقدموا ما هو أولى، حتى في أسلوبهم في تربيتهم لأبنائهم وبناتهم، ألا ترى أن قول الرسول عنهم: «علموا أبناءكم الصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» أنه يشير إلى هذا؟!

فلنقتدِ برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولنتأسَّ به، فندعو إلى الله تعالى على بصيرة وبحكمة وموعظة حسنة.

والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) إحكام الأحكام (2/2).

(2) فتح الباري (3/ 358).

(3) [النحل: 125]

(4) [يوسف: 109]

(5) فتح الباري (3/ 359).