بحث عن بحث

التوكل

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه  قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله لزرقتم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا».

وعن ابن عباس رضي الله عنه  قال: «حسبنا الله ونعم الوكيل» قالها إبراهيم ÷ حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم  حين قالوا: «إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل».

©  أهمية الحديثين:

هذان حديثان يتحدثان عن موضوع في صلب عقيدة المسلم، ولا تتم الحياة المطمئنة، ولا السعادة الأخروية إلا بتحقيقه، ذلكم هو التوكل على الله في جميع الأمور. ويمكن بسطه فيما يلي:

1 ـــ معنى التوكل على الله:

التوكل على الله هو الاعتماد على الله تعالى، وقوة الثقة به، واللجوء إليه، والاطمئنان لموعوده، وأنه حسب العبد وكافيه.

2 ــــ أهمية التوكل وفضله:

لعظم هذا الأمر، وقوة أثره على حياة الإنسان، جاءت النصوص الكثيرة من القرآن والسنة في الأمر به، والحث عليه، وتوجيه الأنبياء أقوامهم إليه، وبيان قوة توكلهم على الله ﻷ، قال تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 23]. وقال تعالى عن موسى ÷: {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْم إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} [يونس: 84]. وقال سبحانه عن نوح ÷: {يَا قَوْم إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ} [يونس: 71]. وقال عن هود ÷: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا} [هود: 56]. وقال تعالى عن شعيب ÷: {وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88]. وقال سبحانه وتعالى لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام: {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ} [النمل: 79]. وقال أيضًا: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 64]. فيجب على المسلم الاقتداء بهم والسير على منهاجهم.

3 ـــ آثار التوكل وثمراته:

هذه العبادة الجليلة لها آثارها المحمودة، وثمراتها اليانعة في الدنيا والآخرة، ومنها:

‌أ-   أن التوكل على الله يورث صاحبه قوة وشجاعة، وثباتًا واطمئنانًا تهون أمامها كل قوة، فهذا خليل الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام عندما ألقي في النار لم يزد على أن قال: «حسبنا الله ونعم الوكيل»، فَفِعْل قومه به لم يخفه ولم يرهبه، فأظهر توكله على الله، فقال الله تعالى للنار: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69].

‌ب-  ومن آثار قوة التوكل على الله الرزق الواسع، والخير العميم على الفرد المتوكل، وعلى الأمة المتوكلة على الله، وهذا واضح من الحديث الذي يشرح: «لو أنكم تتوكلون على الله حق التوكل، لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا».

ويقول سبحانه وتعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴿2 وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2 – 3].

‌ج-   والتوكل على الله سبيل لقطع الوساوس الشيطانية، والهواجس المخيفة، والإرجاف في طلب المعاش خشية الفقر، والتعلق بالأوهام والخزعبلات، وهو سبيل السعادة والطمأنينة، والراحة النفسية، فأسعد الناس في هذه الحياة، المتوكلون على الله حق توكله، قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴿2 وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: 2 – 3].

4- إن من تمام عقيدة المسلم تجاه التوكل أن يعلم أن التوكل على الله تعالى لا يعني ترك عمل الأسباب المشروعة المأمور بها، والقعود عن العمل. جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم  وقد دخل إلى المسجد ليصلي فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، أعقل ناقتي أو أتوكل على الله؟ فأجابه عليه الصلاة والسلام: «اعقلها وتوكل». يقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ في كتابه القيم «فتح المجيد»: «قال العارفون: التوكل بدون القيام بالأسباب المأمور بها عجز وإن كان مشوبًا بنوع من التوكل، فلا ينبغي لعبد أن يجعل توكله عجزًا، بل يجعل توكله من جملة الأسباب التي لا يتم المقصود إلا بها كلها كما ذكر ذلك ابن القيم :». ا.هـ.

5- من المعلوم عقلًا أن النتائج لا تتم إلا بمقدماتها، فلا يتم التوالد إلا بزواج، ولا تثمر الشجرة إلا بزرع، فلذا من حكمة الله تعالى أن لا يعتمد الإنسان على فعل الأسباب تاركًا التوكل على الله تعالى، فيجب فعل الأمرين كليهما.

6- في الحياة تقلبات بين الأفراح والأتراح، والشدة والضيق، والعسر واليسر، ولذا تحصل هفوات كبيرة أو صغيرة في تعامل المسلمين مع هذه الشعيرة العظيمة، ومن ذلكم:

أ – الخوف من المستقبل والتشاؤم فيه.

ب- تعلق بعض المسلمين بالسحرة والكهان والمشعوذين.

ج- طلب التداوي بالأدوية المحرمة أو الكفرية عند السحرة وأمثالهم.

د- التعلق بالدنيا وعدم الثقة بموعود الله تعالى.

هـ - الخوف على الرزق.

و- طلب الشفاعة من الأموات أو الطواف حول أضرحتهم وقبورهم. وغير ذلك من الأخطاء التي قد تصل إلى الكفر والعياذ بالله.

7- من المفيد جدًّا، والمريح حقًّا، والمسعد صدقًا، أن الإنسان إذا أصيب بمصيبة، وتكالبت عليه الخطوب، وتسلط عليه الأعداء أن يقول: { حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173]. هي تورث الراحة والطمأنينة، ورضوان الله تعالى، قال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴿173 فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران: 173 – 174].