بحث عن بحث

 

تساؤل والجواب عليه تساؤل والجواب عليه

 

 

    قد يتساءل البعض عن هذه الإطالة في إيراد كل تلك النصوص، وعذرنا في ذلك: أن عدم الوقوف عليها ومعرفة مدلولها الصحيح أوقع كثيراً من المثقفين وطلاب العلم في أخطاء منهجية خطيرة، إذا قصروا السنة على مفهوم الفقهاء لها، وهي ما يقابل الفرض أو الواجب، أي ما يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، وهذا اصطلاح متأخر لا ينبغي حمل كلمة (السنة) عليه؛ لأنه يخص طائفة جُلُّ عملها معرفة أحكام الشرع على أفعال المكلفين، ومن ثم تساوق التعريف مع بحثهم.

    قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: (مما هو معلوم أن لفظ السنة من الألفاظ الاصطلاحية الفقهية الدائرة في كلام الفقهاء وكتب الفقه باستمرار، وهي عندهم بمعنى ما يقابل الواجب أو الفرض، وقد ظهر هذا الاصطلاح الفقهي وانتشر في القرن الثاني وما بعده، بعد عهد التابعين).

     ووقع من بعض فقهاء المذاهب خلط بين المعنيين، فأقاموا لفظ (السنة) الوارد في كلام النبي صلى الله عليه وسلم، أو كلام الصحابة والتابعين، دليلاً على (سُنِّية) العمل المرغب فيه بالمعنى الاصطلاحي المتأخر، وذلك خطأ يجب التنبه له، فإن لفظ (السنة) الوارد في الأحاديث النبوية، أو كلام الصحابة والتابعين، يعتمد المعنى الشرعي العام، فيشمل الاعتقادات، والعبادات، والمعاملات، والأخلاق، والآداب، وغيره.

    وهذه فيها الفرض والواجب، وكل مرغب فيه، ومستحب مشروع من الأقوال، والأفعال، قال العلامة الشيخ عبد الغني النابلسي – رحمه الله تعالى – في: الحديقة الندية شرح الطريقة المحمدية: (وسنته - صلى الله عليه وسلم - اسم لأقواله، وأفعاله، واعتقاداته، وأخلاقه، وسكوته عند قول الغير أو فعله) انتهى.

    ولفظ (السنة) الدائر في كلام الفقهاء وكتب الفقه يعتمد المعنى الاصطلاحي الخاص، الذي حددوه بما يقابل الواجب أو الفرض، فالفرق بين المعنيين والاستعمالين ظاهر، والاستدلال على (سُنِّية) العمل بكونه ورد في لسان النبوة أو كلام الصحابة والتابعين بلفظ (السنة) خطأ واضح.

    ....ثم قال: " ولما روى البخاري في صحيحه في كتاب اللباس في (باب قص الشارب) حديث أبي هريرة المرفوع (الفطرة خمس – أو: خمس من الفطرة – الختان والاستحداد، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وقص الشارب) قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري)(1) شارحًا أحكام الختان: (ذهب الشافعي وجمهور أصحابه إلى وجوب الختان – أي للذكور والإناث على السواء – دون باقي الخصال الخمسة المذكورة، وفي وجه للشافعية: لا يجب في حق النساء.

    وذهب أكثر العلماء وبعض الشافعية إلى أنه ليس بواجب – أي هو سنة – ومن حجتهم حديث شداد بن أوس رفعه: (الختان سنة للرجال مكرمة للنساء)(2).

    وهذا لا حجة فيه، لما تقرر أن لفظ (السنة) إذا ورد في الحديث لا يراد به التي تقابل الواجب(3)، لكن لما وقعت التفرقة بين الرجال والنساء في ذلك، دلَّ على أن المراد افتراق الحكم.وحديث شداد ضعيف...

    والتعبير في بعض روايات حديث أبي هريرة: (خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وقص الشارب) بلفظ: (خمس من السنة) بدل لفظ (الفطرة) يراد بالسنة هنا: الطريقة، لا التي تقابل الواجب، وقد جزم بهذا الشيخ أبو حامد – الغزالي – والماوردي وغيرهما، وقالوا: هو كالحديث الآخر: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين). انتهى كلام الحافظ ابن حجر.

    فقول الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى -: (تقرر أن لفظ "السنة" إذا ورد في الحديث، لا يراد به التي تقابل الواجب) نص صريح بل قاعدة ناطقة في الموضوع، فينبغي أن يكون طالب العلم على ذكر دائم لهذا، حتى لا يتورط بالاستدلال على سنية الشيء عند الفقهاء بورود لفظ السنة في الحديث، مثلما تقدم ذكره في شرح حديث (الختان سنة للرجال)...

    فلفظ (السنة) في الحديث النبوي وكلام الصحابة والتابعين معناه: الطريقة المشروعة المتبعة في الدين، لا ما يقابل الفرض أو الواجب، وهو (السنة) بالمعنى الاصطلاحي عند الفقهاء (4).

    هذا هو السبب الأول لإيراد كل تلك النصوص، والتي سبق عرضها، وبيان فهم العلماء لها.

    والسبب الثاني الذي دفعنا لتلك الإطالة هو كشف زيف المستشرقين وأذنابهم، الذين تغاضوا عن هذه النصوص، بل وبتروها من سياقها لتحقيق أغراض دنيئة من وراء ذلك، وهو الطعن في السنة وعدم اعتمادها كمصدر إسلامي يعول عليه في أحكام هذا الدين، وسوف نعرض لشبهاتهم حول هذا المصطلح (السنة) لكن بعد تعريف السنة اصطلاحًا، وشرح التعريف، وتبيان علاقة السنة بالحديث، والخبر، والأثر، فإلى ذلك بتوفيق الله تعالى.

 


 


(1)       فتح الباري (10/340).

(2)       أخرجه أحمد (5/75) والبيهقي في السنن الكبرى (8/325)، وهو ضعيف. انظر: نيل الأوطار (1/183-184).

(3)       وقال الشوكاني في النيل (1/184): (ومع كون الحديث لا يصلح للاحتجاج، لا حجة فيه على المطلوب؛ لأن لفظ (السنة) في لسان الشارع أعم من (السنة) في اصطلاح الأصوليين).أقول: لعله يعني الفقهاء لأنهم هم الذين يبحثون عن أحكام الشرع على أفعال المكلفين.

(4)       السنة النبوية وبيان مدلولها الشرعي ص 9، 10، 18، 19.