بحث عن بحث

 

السنة في اصطلاح الأصوليين( 2-5 )

 

.ويقصد بصفاته – صلى الله عليه وسلم – الخَلقية: ما يتعلق بذاته وتكوينه، ومن أمثلة ذلك:

1-   حديث البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس وجهاً، وأحسنهم خلقاً، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير)(1).

2-   حديث البراء أيضاً، قال: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مربوعاً، بعيد ما بين المنكبين، له شعر يبلغ شحمة أذنيه، رأيته في حلة حمراء، لم أر شيئاً قط أحسن منه)(2).

3-   حديث أنس - رضي الله عنه -، قال: (ما مسست حريراً ولا ديباجاً ألين من كف النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا شممت ريحاً قط أو عرفاً قط أطيب من ريح أو عرف النبي - صلى الله عليه وسلم-)(3).

    ويطرح أستاذنا الدكتور/ مروان شاهين سؤالاً له وجاهته، ويجيب عنه فيقول –حفظه الله-: " يسأل سائل: كيف نعتبر الصفات الخلقية له - صلى الله عليه وسلم - من السنة مع أنه لا يمكن الاقتداء بها؛ لأنها من قدر الله تعالى، ونحن لا نتعلم السنة إلا لكي نقتدي برسولنا - صلى الله عليه وسلم - ونتبعه في هديه كله ؟.

والجواب من عدة وجوه:

أولاً: لكي نعلم الصفات الخلقية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلا يعقل أن يكون هو رسولنا الذي هدانا الله تعالى به، وأخرجنا به من الظلمات إلى النور ثم لا نعلم ما هي الهيئة الخلقية التي أوجده الله تعالى عليها.

ثانيا: حتى يتأكد لنا أن الله تعالى قد خلقه على أحسن هيئة، وأكمل صورة بشرية – كما خلقه أيضاً بريئاً من العيوب الخلقية – حتى تجتمع القلوب حوله، وهذا يعتبر من الأدلة على صدق رسالته - صلى الله عليه وسلم -، لأن الله تعالى قد برأ الأنبياء جميعاً من أي عيب خلقي.

ثالثا: لكي يتأكد لنا أن الله تعالى قد أوجده على نفس الهيئة، وبنفس الصفات التي ذكرت في الكتب السابقة، وفي هذا دليل واضح على صدق رسالته - صلى الله عليه وسلم -، ولعل ما ورد في كتب السيرة من قصة بحيرا الراهب الذي رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في صباه في الثانية عشرة من عمره أثناء رحلته إلى الشام مع عمه أبي طالب، وعرف بحيرا الراهب أنه النبي المنتظر بجملة من العلامات ذكرت له في الكتب السابقة، من بينها خاتم النبوة بين كتفيه - صلى الله عليه وسلم -، والخاتم هذا أمر خلقي عرف به بحيرا أنه - صلى الله عليه وسلم - هو النبي المنتظر.

    وقد ذكر القرآن الكريم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان مكتوباً في التوراة والإنجيل، فقال عز من قائل: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) سورة الأعراف: 157.

    وقد نعى الله تعالى على أهل الكتاب عدم اتباعهم للرسول - صلى الله عليه وسلم - مع تأكدهم من صدق رسالته، بل ومعرفتهم به كما يعرفون أبناءهم، ومع ذلك كتموا الحق الواضح الصريح وهم يعلمون، قال تعالى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) سورة البقرة: 46.

    يقول الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: (يخبر تعالى أن أهل الكتاب يعرفون صحة ما جاءهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما يعرف أحدهم أولاده، ثم أخبر تعالى أنهم مع هذا التحقيق والإتقان العلمي (لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ)، أي: ليكتمون الناس ما في كتبهم من صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - (وَهُمْ يَعْلَمُونَ))(4).

رابعاً: ومن الأسباب التي تجعلنا نعتبر الصفات الخلقية له - صلى الله عليه وسلم - من السنة أيضاً، ما حاوله بعض أعداء الإسلام من إلصاق بعض الصفات غير الحقيقية به - صلى الله عليه وسلم -. ومعرفتنا بصفاته الخلقية تجعلنا ندافع عنه ونحن في موقف القوة والثبات؛ لأنه ثبت بكل الأدلة كمال خلقته - صلى الله عليه وسلم -.

خامساً: نتعلم صفاته الخلقية ونعتبرها من السنة حتى نقتدي بكل ما يمكن الاقتداء به منها، مثل صفة لحيته - صلى الله عليه وسلم - " (5).

ويقصد بصفاته الخُلقية: ما يتعلق بأخلاقه الشريفة - صلى الله عليه وسلم -، ومن أمثلة ذلك:

1-   قول السيدة عائشة - رضي الله عنها - حين سئلت عن خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فقالت للسائل: (ألست تقرأ القرآن؟ فقال: بلى، قالت: فإن خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القرآن)(6).

2-   ما رواه أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أشدَّ حياءً من العذراء في خدرها)(7).

3-   ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما -: قال: (لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - فاحشاً ولا متفحشاً، وكان يقول: إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً)(8).

    هذه بعض أخلاقه - صلى الله عليه وسلم -، ولقد وصل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى درجة الكمال البشري فاتصف بكل صفات هذا الكمال البشري، ووجدت فيه كل صفة على أعلى درجاتها، وكمال هيئتها.

وامتدحه رب العزة قائلاً: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) سورة القلم: 4.

ولله در القائل:

يا مصطفى من قبل نشـأة آدم            والكون لم تفتح له أغـلاق

أيروم مخلوق ثناءك بعـدمــا             أثنى على أخلاقك الخـلاق

ويقصد بسائر أخباره: ما صدر عنه - صلى الله عليه وسلم - في كل أحواله، حركة وسكوناً، ويقظة ومناماً، سواءً كان ذلك قبل البعثة أم بعدها.

أما حركاته: فهي وسائل تربوية: يقصد من ورائها شد انتباه المتلقي، ولفت نظره إلى أهمية ما يلقى عليه، ومن الأمثلة على ذلك:

1-   قوله – صلى الله عليه وسلم – (التقوى ها هنا، وأشار إلى صدره ثلاثاً)(9). فهذه الحركة المتمثلة في الإشارة أفادتنا أن محل التقوى هو القلب.

2-   قوله – صلى الله عليه وسلم – (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، قال الراوي: وكان متكئاً فجلس، ثم قال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور ثلاثاً، حتى قلنا: ليته سكت)(10).

     فتغيير النبي - صلى الله عليه وسلم - من وضعه وحركته أفاد خطورة ما جاء بعدها حتى يحذره القوم، ويقدرونه قدره.

3-   قول عبد الله بن مسعود: خط رسول الله – صلى الله عليه وسلم – خطا مستقيمًا، ثم قال: (هذا سبيل الله مستقيماً، وخط عن يمينه وشماله، ثم قال: هذه السبل ليس منها إلا عليه شيطان يدعو إليه) ثم قرأ: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(11)سورة الأنعام: 153.

4-   وعن ابن مسعود أيضاً قال: خط النبي – صلى الله عليه وسلم – خطاً مربعاً، وخطَّ خطاً في الوسط خارجاً منه، وخط خطوطاً صغاراً إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، وقال: (هذا الإنسان، وهذا أجله محيط به – أو قد أحاط به -، وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخطط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا)(12).

    ففي هذين الحديثين استخدم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الرسم كوسيلة إيضاح لإيصال ما يريده إلى ذهن أصحابه، وهذا ما يأخذ به علماء التربية اليوم في التعليم والتلقي، وقد سبقهم إليه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – منذ خمسة عشر قرناً من الزمان.


 


(1)   الحديث أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب المناقب، باب صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - ( 3549) ومسلم في الصحيح، كتاب الفضائل، باب في صفة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنه كان أحسن الناس وجهاً ( 6066).

(2)   المرجع السابق.

(3)   الحديث أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب المناقب، باب صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - ( 3561) ومسلم في الصحيح، كتاب الفضائل، باب طيب رائحة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولين مسه والتبرك بمسحه ( 6053).

(4)    تفسير ابن كثير 1/194.

(5)    تيسير اللطيف الخبير في علوم حديث البشير النذير 1/21، 22.

(6)    الحديث أخرجه مسلم في الصحيح، كتاب صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل، وهو جزء من حديث طويل،

( 1739).

(7)    الحديث أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب المناقب، باب صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - ( 6102) ومسلم في الصحيح، كتاب الفضائل، باب كثرة حيائه - صلى الله عليه وسلم - ( 6032).

(8)    المرجع السابق.

(9)    الحديث أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب والصلة، باب تحريم ظلم المسلم من حديث طويل 2/424.

(10)    الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور، ( 2654) ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها ( 259).

(11)    الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده 1/465، والحاكم في مستدركه، كتاب التفسير  ( 2/318) وقال: صحيح ولم يخرجاه.

(12)    الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب في الأمل وطوله ( 6417).