بحث عن بحث

 

دحض الافتراء الذي قرره جولد تسيهر ومن تبعه (1-3)

 

هذا الافتراء الذي قرره جولد تسيهر ومن تبعه باطل من وجوه:

الوجه الأول: لقد زعم (جولد تسيهر) وتلامذته أن المفهوم الإسلامي للسنة عبارة معدلة من الآراء العربية القديمة، وموروث جاهلي، يريد أن الإسلام قد أبقى بعض الأمور التي تعارف عليها العرب قبله بعد أن نظمها لهم، وهو ما يذكره المستشرقون دائما، فهذا (جوستاف لوبون) يقول في كتابه (حضارة العرب): (ومثل ذلك شأن محمد الذي عرف كيف يختار من نظم العرب القديمة ما كان يبدو أقومها، فدعمها بنفوذه الديني، ولكن شريعة محمد لم تنسخ جميع العادات التي قامت مقامها)(1).

        وجولد تسيهر يضرب دائما على هذا الوتر في كافة دراساته الإسلامية، فهو يرجع كل شيء إسلامي: إما إلى عوامل داخلية كفقه الجاهليين وأعرافهم، وإما إلى عوامل خارجية كاليهودية، والنصرانية، واليونانية.

        إن تلك الأعراف أو العادات التي أبقى عليها الإسلام محددة تماما، وهي لا تبلغ عشر معشار التشريعات الإسلامية، وهي مع ذلك لم يبق الإسلام عليها إلا بشرط، وهو ألا تخالف دليلا شرعيا، ولا قاعدة من قواعده الأساسية.

       يقول الدكتور/ زكي الدين شعبان: (ولهذا وجدنا الشارع الحكيم يقر الكثير من الأمور التي تعارفها العرب قبل الإسلام، بعد أن نظمها لهم، كالبيع، والرهن، والإجارة، والسلم، والقسامة، والزواج، ومراعاة الكفاءة بين الزوجين، وفرض الدية على عاقلة القاتل، وبناء الإرث، والولاية في الزواج على العصبة، ولا يلغي منها إلا الفاسد والضار الذي لا يصلح كالربا، والميسر، ووأد البنات، وحرمان النساء من  الميراث)(2).

      وقد عرض الدكتور/ ساسي الحاج لبعض الأحكام التي كانت موجودة في العرب قديما وأبقاها الإسلام أو ألغاها، ثم قال: (هذه أمثلة تتعلق بالعبادات والمعاملات، وجدت في الجاهلية فأقر الإسلام بعضها وألغى الآخر، ومن هذا الإقرار استند المستشرقون إلى أن النبي قد استقى معلوماته، وأخباره، وأحكامه المتمثلة في أوامره، ونواهيه من هذه القوانين العرفية التي وجدها في بيئته، فتأثر بها، وضمها إلى كتابه الذي ألفه، وفي سننه، وأحاديثه التي أذاعها على أصحابه، وأصبحت جزءاً رئيسا من تشريعاته.

       ونحن لا ننكر وجود مثل هذه الأحكام والقوانين الناتجة عن أعراف الجاهليين في التشريع الإسلامي، ولا يضير الرسول الإبقاء على القوانين الصالحة سواء تلك المنظمة للعبادات أو المعاملات، طالما كانت هذه الأحكام تتناسب وفلسفة التشريع الإسلامي لتحقيق مقاصده التي أنزل من أجلها، ولا يمكن أن نستنتج من الإبقاء عليها تأثر الرسول بها، باعتبارها أموراً استمدها من بيئته، ولم يوح بها الله إليه في محكم كتابه، ولو كان الأمر خلاف ذلك لأبقى على سائر القوانين والأعراف الجاهلية، ولما حرم بعضا منها، وأباح بعضها الآخر، ولكن التشريع يراعي دوما مصالح الناس والعباد التي شرعت الأحكام لمصلحتهم، فتبقى الأحكام الصالحة، وتبطل الأحكام الفاسدة لتعارضها ومصلحة الجماعة.

       إن الإسلام احتفظ بالعديد من أعراف الجاهليين وتشريعاتهم؛ لأنها صالحة للتطبيق؛ ولأنها ليست محل انتقاد من الجماعة؛ ولأنها تحقق مصالح من شرعت هذه الأحكام لهم؛ ولأنه عندما ألغى الفاسد منها، فإنه قد راعى هذه التعاليم الإلهية التي جاءت بالرسالة المحمدية للقضاء على الاستغلال، والفساد، والظلم بأشكاله وألوانه المختلفة، فهو قد هذب مناسك الحج فألغى طواف العري، وأزال الأصنام، وهذب الزواج، فأبقى على النظام الصحيح الذي ينسجم والفطرة البشرية، وألغى الفاسد منه الذي يؤدي إلى اختلاط الأنساب، وزرع البغضاء والعداوة بين أفراد المجتمع، ونظم الطلاق، وسن تشريعات تحفظ حق المرأة في النفقة والحضانة.

        وهذه التشريعات جميعها سواء أكانت عبادات أم معاملات شرعت لتنظيم المجتمع الإسلامي الذي يسعى إلى تحقيق المساواة والمحبة بين أفراد المجتمع البشري بكامله، ولا يمكننا التسليم من خلالها بشبهات المستشرقين من أن الإبقاء عليها وإقرارها يعني تشكيلها لمصادر القرآن الكريم، والأحكام الإسلامية المنبثقة من مصادر التشريع الأخرى)(3).

        إن منهج الأثر والتأثر الذي سلكه المستشرقون في الدراسات الإسلامية لا يؤدي إلى نتائج علمية صحيحة، فالأثر والتأثر لا غبار عليه من الناحية الواقعية والمنهجية، ولكن استخدامه بصورة متعسفة يؤدي إلى تجريد الإسلام من مبادئه وأسسه السليمة، وهذا هو الذي يؤخذ عليه علميًا وموضوعيًا.


 


(1)      حضارة العرب ص 382.
      (2)      أصول الفقه ص 193.
     (3)      نقد الخطاب الاستشراقي (1/ 275- 276).