بحث عن بحث

 

دحض الافتراء الذي قرره جولد تسيهر ومن تبعه (3-3)

 

الوجه الثالث: زعم (جولد تسيهر) أن اتباع المسلمين للسنة كاتباع الجاهليين لسنن أسلافهم هو تخريج مبتسر؛ لأنه أراد التشديد على أن الطبيعة العربية في اتباع سنن الأسلاف وطرقهم وعاداتهم لم تتغير في العصر الإسلامي الأول، ولكنه نوع من طبائع النفوس العربية جبلت عليها على مدى الدهر، وموصومة بالتعصب، ولا يجيزون الخروج عليها مهما كانت طبيعتها.

        وهذا الكلام لا أساس له من الناحية الواقعية؛ لأن المسلمين عندما أطاعوا السنة النبوية فلأنهم مأمورون بذلك، باعتبارها وحيًا معبرًا عنه بألفاظ الرسول، وباعتبارها تسن القوانين والقواعد الشرعية الواجب عليهم اتباعها، وباعتبارها مؤكدة، ومفسرة، وشارحة للقرآن الكريم(1).

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) [ النساء /59 ].

        والرد إلى الله هو الرد إلى الكتاب الكريم، والرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته وإلى سنته بعد موته(2).

وقال تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) [ النساء /80 ].

وقال تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) [ الحشر /7 ].

        فطاعة الرسول الكريم هي اتباع أوامره واجتناب نواهيه، وطاعة الرسول من طاعة الله، فهو الذي اصطفاه واختاره مبلغا عنه.

        إذاً – وكما يقول الشيخ أحمد شاكر -: " فلم يكن اتباع سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - عند المسلمين عن عادة اتباع الآباء، وقد نعاها الله على الكفار نعيا شديدا، وتوعد عليها وعيدا كثيرا، وأمر الناس باتباع الحق حيثما كان، واستعمال عقولهم في التدبر في الكون وآثاره، ونقد الصحيح من الزيف من الأدلة، وإنما كان حرص المسلمين على سنة رسول الله اتباعا لأمر الله في القرآن: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [ سورة الأحزاب / 21 ]، (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [ سورة النور / 63 ].

(وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) [ النحل / 44 ].

       إلى غير ذلك من أوامر الله في كتابه، مما لا يجهله مسلم، واتباعا لأمر رسول الله نفسه، في الأحاديث الصحيحة المتكاثرة، وفيما ثبت عمليا بالتواتر...

وهذا الموضوع أطال البحث فيه العلماء السابقون وأبدعوا، حتى لم يدعوا قولا لقائل - أو كادوا- وكتب السنة وكتب الأصول وغيرها مستفيضة في ذلك، والباحث المنصف يستطيع أن يتبين وجه الحق، ويكفي أن نشير إلى كتابين فيهما مقنع لمن أراد: كتاب " الرسالة " للإمام الشافعي، وكتاب " الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم" للعلامة محمد بن إبراهيم الوزير اليمني. فإني رأيت كاتب المقال لم يشر فيه من أوله إلى آخره إلى مصدر عربي أو إسلامي رجع إليه في بحثه، وهذا عجيب !(3).


 



(1)      انظر: المصدر السابق ( 1/407).

(2)         الموافقات: ( 4/14 ).

(3)      دائرة المعارف الإسلامية ( 13/101- 402 ) بتصرف.