بحث عن بحث

 

دحض الافتراء الذي قرره جولد تسيهر ومن تبعه (4-4)

 

 

الوجه الرابع: استنتاج (مارغليوث) بأنه كان معنى السنة في صدر الإسلام "ما كان عرفا مألوفا": هو استنتاج تابع للهوى مع مخالفته كافة النصوص التي أوردها ليبرهن على ما يراه من استنتاج.

        وقد أورد الدكتور/ الأعظمي نصوصه التي استشهد بها وتعليقه عليها قائلا: (نرى كلمة (سنة النبي) – صلى الله عليه وسلم – أكثر وروداً في النصوص السابقة من أي تعبير آخر، وقد استعمل هذا التعبير في النصوص التي تتصل بالخليفة الثالث عثمان، وربما كان لسلوكه الخطير الذي يختلف فيه عن أسلافه أثر في ذلك. ولو أن الاتهامات الموجهة إليه دومًا مبهمة، ويبدو واضحًا أن المصدر الثاني للتشريع الإسلامي إلى ذلك الوقت لم يكن شيئا محدداً، بل هو ما كان عرفا مألوفا، وقد أيدته السلطة حتى صار عنصرا مندمجا في شخصية النبي - صلى الله عليه وسلم -".

       وتعقبه الدكتور/ الأعظمي فقال: " ومع أن النصوص السابقة منصبة كلها أو جلها على سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وسنة نبيه، وكتاب الله وسنة نبيه، وعملا بالكتاب والسنة، نرى (مارغليوث) يحاول جاهدا أن يخفي الحقيقة ويصرفها إلى ما يملي عليه هواه، فيدعي أن المصدر الثاني للتشريع إلى ذلك الوقت لم يكن محددا، وأن مفهوم السنة هو ما كان عرفا معمولا به في البيئة، مع أنه ليس هناك ما يمكن أن يؤيد استنتاجه بشكل من الأشكال.

       والذي يبحث عن الحقيقة ويدعي المنهج العلمي في بحثه لابد وأن يستعين بالنصوص مجموعة في سبيل تفسير بعضها ببعض، حتى لا يقع في مثل هذا الخلط والتناقض.

        ولو سلمنا جدلاً أن كلمة السنة كانت تطلق في بداية الأمر على ما كان معروفًا ومألوفًا في المجتمع الإسلامي، وهذا لا يمكن إلا في حالات نادرة جدًا حيث تذكر الكلمة مضافة إلى المسلمين، أو ما شاكل ذلك، فهذا لا يعني أن هذه الأشياء نسبت فيما بعد ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أو سميت فيما بعد ذلك بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -.

       ثم هذا البحث كله يدور حول لفظ كلمة السنة، لا حول فكرة الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، فطاعة النبي - صلى الله عليه وسلم -، والاقتداء بهديه مفروض على المسلمين بالنص القرآني – كما رأينا من قبل – وهذه الطاعة هي الأصل ولا يؤثر في ذلك إذا كانت كلمة (السنة) كانت تطلق على هذا أم لا، لأن ما يهمنا هنا هو فرض طاعته - صلى الله عليه وسلم - بأي اسم كان.

       ولذا فلا يمكن أن تقبل تلك الادعاءات ما لم تستند إلى حجج معقولة، سواء في ذلك ما ادعاه جولد تسيهر في تفسير (السنة) بأنها (مصطلح وثني) استعملها الإسلام، أو ما ذهب إليه مارغليوث من أن معناها في العهد الأول ما كان (عرفيا) أو ما توصل إليه شاخت في دراسته من أن معناها (تقاليد المجتمع)، أو (الأعراف السائدة)؛ لأن تلك الادعاءات تخالف مخالفة جذرية ما دلت عليه النصوص القطعية، والتي تفسر بعضها بعضا.

       وقد روى أحمد بسند صحيح عن سالم قال: كان عبد الله بن عمر يفتي بالذي أنزل الله - عز وجل - من الرخصة بالتمتع، وسن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه، فيقول ناس لابن عمر: كيف تخالف أباك وقد نهى عن ذلك ؟ !.

       فيقول لهم عبد الله: ويلكم ! ألا تتقون الله ؟ ! إن كان عمر قد نهى عن ذلك فيبتغي فيه الخير يلتمس به تمام العمرة، فلم تحرمون ذلك، وقد أحله الله، وعمل به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أفرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحق أن تتبعوا سنته أم سنة عمر ؟!.

       إن عمر لم يقل لكم إن العمرة في أشهر الحج حرام، ولكنه قال: إن أتم العمرة أن تفردوها في أشهر الحج(1).

       وهذا القول من عبد الله بن عمر: "أفرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحق أن تتبعوا سنته أم سنة عمر ؟! فصل في هذه القضية، حيث مايز بين قضيتين مختلفتين تماما، أثبت للأولى حق الاتباع، ونفاه عن الأخرى في حالة التعارض، ليبين بذلك أن السنة التي تتبع في هذه الحالة هي سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -.

       ولو كان العرف الشائع أو تقاليد المجتمع هما السنة، فكيف نفسر قول ابن عمر هذا ؟ (1)


 



(1)     مسند أحمد، بتحقيق أحمد شاكر (8/ 61 رقم 5700).
(2)     دراسات في الحديث النبوي (1/9-11).