بحث عن بحث

 

 شبهة عرض السنة على العقل والرد عليها(5)

المحور الثاني في الرد على هذه الشبهة:

ونقول أيضًا في بيان تهافت وبطلان شبهة: "عرض السنة على العقل" سائلين القائلين بها:

أيهما الحاكم على الآخر النقل أم العقل؟

ما المراد بالعقل الصريح الذي ترددونه؟ وما حدوده؟ وما مدى الاتفاق عليه؟

وهل يتعارض النقل مع العقل؟ وإذا تعارضا فأيهما أحق التقديم؟

وأخيرًا هل أهمل المحدثون - حقًا - العقل في قبولهم للحديث وتصحيحه كما تدعون؟

والجواب :

1 - ذهب جمهور علماء الأصول إلى أنه ( لا حاكم سوى الله، ولا حكم إلا ما حكم به) وفرعوا على ذلك خلافًا للمعتزلة: "أن العقل لا يحسن ولا يقبح، ولا يوجب شكر المنعم، وأنه لا حكم قبل ورود الشرع"(1) .

ثم إن الله عزَّ وجلَّ جعل للعقول في إدراكها حدًا تنتهى إليه لا تتعداه، ولم يجعل لها سبيلا إلى الإدراك في كل مطلوب، ولو كانت كذلك لاستوت مع الباري عزَّ وجلَّ في إدراك جميع ما كان، وما يكون، وما لا يكون، إذا لو كان كيف يكون.

فمعلومات الله لا تنتاهي، ومعلومات العبد متناهية، والمتناهي لا يساوى ما لا يتناهي، وهذا قول ابن خلدون: "واعلم أن الشارع أعرف بمصالح ديننا وطرق سعادتنا؛ لاطلاعه على ما وراء الحس، والعقل يقف عاجزًا عن إدراك عالم ما وراء الطبيعة، ولا تثقن بما يزعم لك الفكر من أنه مقتدر على الإحاطة بالكائنات وأسبابها، والوقوف على تفصيل الوجود كله، وسفه رأيه في ذلك، وأعلم أن الوجود منحصر في مداركه لايعدوها(2) .

ويقول الشاطبي مبطلا زعم من قال: إن مصالح الدنيا تدرك بالعقل، في قوله: "إن مصالح الدار الآخرة ومفاسدها لا تعرف إلا بالشرع ، وأما الدنيوية فتعرف بالضرورات والتجارب والعادات والظنون المعتبرات".

قال الشاطبي ردًا: "أما إن ما يتعلق بالآخرة لا يعرف إلا بالشرع فكما قال، وأما ما قال في الدنيوية فليس كما قال من كل وجه، بل ذلك من بعض الوجوه دون بعض ، ولذلك لما جاء الشرع بعد زمان فترة، تبين به ما كان عليه أهل الفترة من انحراف الأحوال عن الاستقامة، وخروجهم عن مقتضى العدل في الأحكام ومن أجل هذا القصور في تلك العقول وقع الإعذار والإنذار كما قال عزَّ وجلَّ: ( رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)[ سورة النساء / 165 ] .

ولو كان الأمر على ما قال بإطلاق، لم يحتج في الشرع إلا إلى بث مصالح الدار الآخرة، خاصة وذلك لم يكن، وإنما جاء بما يقيم أمر الدنيا والآخرة معًا.

 وإن كان قصده بإقامة الدنيا والآخرة، فليس بخارج عن كونه قاصدًا لإقامة مصالح الدنيا، حتى يتأتى فيها سلوك طريق الآخرة، وقد بث في ذلك من التصرفات، وحسم من أوجه الفساد التي كانت جارية، ما لا مزيد عليه.

فالعادة تحيل استقلال العقول في الدنيا بإدراك مصالحها ومفاسدها على التفصيل، اللهم إلا أن يريد هذا القائل أن المعرفة بها تحصل بالتجارب وغيرها، بعد وضع الشرع أصولها فذلك لا نزاع فيه"(3) .

ومن هنا وجب أن يقدم ما حقه التقديم - وهو الشرع - ويؤخر ما حقه التأخير وهو نظر العقل؛ لأنه لا يصح تقديم الناقص حاكمًا على الكامل؛ ولأنه خلاف المعقول والمنقول، ولذلك قال: اجعل الشرع في يمينك والعقل في يسارك، تنبيها على تقدم الشرع على العقل(4) .


(1)انظر : المستصفى 1/ 8 ، والإحكام للآمدي 1/ 76 ــ 90 ، والإبهاج في شرح المنهاج 1/ 43 ، 135 ، وإرشاد الفحول 1/ 56

(2)المقدمة ص508 .

(3)الموافقات 2/ 360 .

(4)الاعتصام 2/ 568 .