بحث عن بحث

 

شبهة عرض السنة على العقل والرد عليها(8)

المحور الخامس في الرد على هذه الشبهة:

ونقول لمن حكموا عقولهم في شرع الله عزَّ وجلَّ، وقدموها عليه : إن تحكيم العقل وهو مخلوق في خالقه بحيث يقولون: يجب عليه بعثه الرسل، ويجب عليه الصلاح والأصلح، ويجب عليه اللطف، ويجب عليه كذا، وكيف يجوز هذا في حق الله عزَّ وجلَّ مما ورد في صفاته وأسمائه جل جلاله ــ  في كتابه العزيز وسنة نبيه المطهرة؟ وكيف المعجزة؟ وكيف اليوم الآخر، وما فيه من حساب، وعقاب، وجنة، ونار، وميزان، وصراط، وشفاعة ... ؟ إلى آخر ما ينطق به في تلك الأشياء (الإلهيات والنبوات والمعجزات للأنبياء والسمعيات الغيبية).

نقول: إن قولكم بعقولكم في تلك الأمور ــ اعتراضًا ــ هذا يجب، هذا يستحيل، كيف هذا. هذا منكم اجتراء على الله عزَّ وجلَّ، وعلى عظمته جل جلاله، واعتراض على حكمه وشرعه الحكيم، وتقديم بين يدي الله ورسوله، ومن أجَلّ الباري وعظّمه وعظّم حكمه وشرعه، لم يجترئ على ذلك، فلله عزَّ وجلَّ الحجة البالغة والحكمة الكاملة، ولا معقب لحكمه؛ فوجب الوقوف مع قوله تعالى: ( قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِين)[ سورة الأنعام / 149 ]. وقوله تعالى: ( لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُون) [ سورة الأنبياء / 23 ] . وقوله تعالى: ( وَاللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِه) [ سورة الرعد / 41 ]. ويكفيك في فساد عقل معارض الوحي قرآنًا وسنة اجتراءه على عصمة ربه عزَّ وجلَّ.

فكيف نجعل العقل حاكمًا على شرعه "كتابًا وسنة"، ونقدمه عليه بعد كل هذا، وكيف نتصور أن الشارع الحكيم يشرع شيئًا يتناقض مع العقول المحكومة بشرعه الحنيف.

يقول الدكتور السباعي: "من المقرر في الإسلام أنه ليس فيه ما يرفضه العقل، ويحكم باستحالته ولكن فيه -  كما في كل رسالة سماوية _ أمور قد "يستغربها" العقل ولا يستطيع أن يتصورها(1) . في (الإلهيات والنبوات والمعجزات والسمعيات) فتلك الأمور فوق نطاق العقل وإدراكه، وقد يحصل الغلط في فهمها فيفهم منها ما يخالف صريح العقل، فيقع التعارض بين ما فهم من النقل وبين ما اقتضاه صريح العقل، فهذا لايدفع.

" لأن هذه العقائد - كما يقول ابن خلدون -  متلقاة من الشريعة كما نقلها السلف من غير رجوع فيها إلى العقل ولا تعديل عليه ... ، فإذا هدانا الشارع إلى مدرك؛ فينبغي أن نقدمه على مداركنا، ونثق به دونها، ولا ننظر في تصحيحه بمدارك العقل ولو عارضه، بل نعتمد ما أمرنا به اعتقادًا وعلمًا، عما لم نفهم من ذلك ونفوضه إلى الشارع، ونعزل العقل عنه"(2) .

ويقول في موضع آخر: "وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه، بل العقل ميزان صحيح؛ فأحكامه يقينية، لا كذب فيها غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة، وحقيقة النبوة، وحقائق الإلهية، وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع في محال ... ، ومن يقدم العقل على السمع في أمثال هذا القضايا، فذلك لقصور في فهمه، واضمحلال رأيه، وقد تبين لك الحق من ذلك"(3) .


 


(1) السنة ومكانتها في التشريع ص34

(2) المقدمة ص 548 بتصرف .

(3) المقدمة ص 509 .