بحث عن بحث

 

الجواب عن الطعون السابقة (1-1)

 

أولاً : الجواب عن الطعن فى صحة إسلام سيدنا معاوية رضي الله عنه، وأنه فتح باب الوضع فى السنة النبوية :

ما طعن به أعداء السنة المطهرة فى صحة إسلام سيدنا معاوية رضي الله عنه، دافع عنه فضيلة الأستاذ الدكتور محمد أبو شهبة بقوله : "وقد غاب عن أعداء الإسلام أن الكاتبين فى تاريخ الصحابة ذكروا عن الواقدى، وابن سعد، أنه أسلم بعد الحديبية قبل الفتح، وأنه أخفى إسلامه مخافة أهله، وأنه كان فى عمرة القضاء مسلماً، وإذا كان هو وأبوه من المؤلفة قلوبهم فى رأى البعض، ففى رأى الكثيرين أنه ليس من المؤلفة قلوبهم، قال ابن عبد البر : "معاوية وأبوه من المؤلفة قلوبهم، ذكره فى ذلك بعضهم"، وهو يشعر بأن الكثيرين لا يرون هذا الرأى، ولذا نجد الحافظ المحقق ابن حجر لم يذكر فى ترجمته شيئاً من هذا، وإنما ذكر فى ترجمة أبيه أنه من المؤلفة قلوبهم(1) .

ومهما يكن من شئ فقد أسلم وحسن إسلامه، وحتى لو كان ممن أسلموا يوم الفتح، فلا يقدح ذلك فى عدالته وصحبته، بعد تزكية رب العزة لمن أسلموا بعد الفتح أيضاً قال تعالى : ( وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ )[ سورة الحديد /10 ].

 وكيف يصح الطعن فى صحة إسلامه رضي الله عنه، وقد كان أحد كتبه الوحى بين يدى النبى صلى الله عليه وسلم(2) ، يدل على ذلك ما روى عن ابن عباس - رضى الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى معاوية ليكتب له، فقال : أنه يأكل، ثم بعث إليه، فقال : إنه يأكل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا أشبع الله بطنه" (3)

يقول الأستاذ محب الدين الخطيب - رحمه الله - : "قد يستغل بعض الفرق من أعداء الإسلام(4) .هذا الحديث ليتخذوا منه مطعناً فى معاوية رضي الله عنه وليس فيه ما يساعدهم على ذلك، كيف وفيه أنه كان كاتب النبى صلى الله عليه وسلم؟!

 فالظاهر أن هذا الدعاء منه صلى الله عليه وسلم غير مقصود، بل هو مما جرت به عادة العرب فى وصل كلامها بلا نية كقوله صلى الله عليه وسلم ( تربت يمينك )

ويمكن أن يكون ذلك منه صلى الله عليه وسلم بباعث البشرية التى أفصح عنها هو نفسه صلى الله عليه وسلم فى أحاديث كثيرة متواترة منها حديث عائشة - رضى الله عنها - مرفوعاً : " أَوَ مَاَ عَلِمْتِ مَا شَرَطْتُ عَلَيْهِ رَبِىِّ؟ قُلْتُ : اللَّهُمَّ "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَىُّ المُسْلِمِينَ لَعَنْتُهُ أَوْ سَبَبْتُهُ، فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاَةً وَأَجْراً"(5) .

ولم تعرف عن معاوية رضي الله عنه دخلة فى إيمانه ولا ريبة فى إخلاصه لإسلامه ولا فى إمارته .

يقول القاضى أبو بكر بن العربى، مبيناً ما اجتمع فى معاوية من خصال الخير إجمالاً قال : "معاوية اجتمعت فيه خصال : وهى أن عمر جمع له الشامات كلها وأفرده بها، لما رأى من حسن سيرته، وقيامه بحماية البيضة وسد الثغور، وإصلاح الجند، والظهور على العدو، وسياسة الخلق .

وقد شهد له فى صحيح الحديث بالصحبة والفقه، فيما رواه البخارى فى صحيحه بسنده عن ابن أبى مليكه قال : "أوتر معاوية بعد العشاء بركعة وعنده مولى لابن عباس، فأتى ابن عباس، فقال : دعه؛ فإنه صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفى رواية أخرى قيل لابن عباس : هل لك فى أمير المؤمنين معاوية؛ فإنه ما أوتر إلا بواحدة، قال : إنه فقيه (6)

يقول ابن العربى : "وشهد بخلافته فى حديث أم حرام - رضى الله عنها- فيما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نام عندها القيلولة ثم استيقظ وهو يضحك؛ لأنه رأى ناساً من أمته غزاة فى سبيل الله يركبون ثبج البحر - أى وسطه ومعظمه - ملوكاً على الأسرة . ثم وضع رأسه فنام واستيقظ وقد رأى مثل الرؤيا الأولى فقالت له أم حرام : أدع الله أن يجعلنى منهم، فقال، "أنت من الأولين"، فركبت أم حرام البحر فى زمن معاوية فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر . فهلكت"(7) .

قال الحافظ ابن كثير : يعنى بالأول جيش معاوية حين غزا قبرص ففتحها سنة 27 أيام عثمان بن عفان، بقيادة معاوية، عقب إنشائه الأسطول الإسلامى الأول فى التاريخ، وكانت معهم أم حرام فى صحبة زوجها عبادة بن الصامت  ومعهم من الصحابة أبو الدرداء وأبو ذر وغيرهم . وماتت أم حرام فى سبيل الله وقبرها بقبرص إلى اليوم .

قال ابن كثير : ثم كان أمير الجيش الثانى يزيد بن معاوية فى غزوة القسطنطينية .

قال : وهذا من أعظم دلائل النبوة (8)فى الشهادة لسيدنا معاوية، وابنه يزيد بالفضل، والمغفرة والجنة كما جاء فى حديث أم حرام مرفوعاً : "أول جيش من أمتى يركبون البحر قد أوجبوا (9)وأول جيش من أمتى يغزون مدينة قيصر مغفور لهم . فقلت : أنا فيهم يا رسول الله ؟ قال : لا"(10) .


(1) انظر : فى ترجمته : الاستيعاب 3/1416 رقم 2435، وتاريخ الصحابة ص 231 رقم 1239، واسد الغابة 5/201 رقم 4984، والإصابة 4 / 433 رقم 8068

(2) دفاع عن السنة ص65 بتصرف،وانظر تطهير الجنان واللسان لابن حجر الهيتمى ص7،وما بعدها

(3) أخرجه مسلم ، كتاب البر والصلة، باب من لعنه النبى صلى الله عليه وسلم أو سبه … إلخ 8/399 رقم 3604، وأخرجه أبو داود الطيالسى فى مسنده ص 359 رقم 2746واللفظ له، والبيهقى فى دلائل النبوة 6/243

(4) انظر : دفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين صالح الوردانى ص 264

 (5) أخرجه مسلم ، كتاب البر والصلة، باب من لعنة النبى صلى الله عليه وسلم أو سبه أو دعا عليه 8/396 رقم 2600، وانظر : البداية والنهاية 8/122، 123 وانظر : العواصم من القواصم تعليق الأستاذ محب الدين الخطيب ص 213

(6) أخرجه البخارى ، كتاب فضائل الصحابة، باب ذكر معاوية رضي الله عنه 7/130 رقمى 3764، 3765، وانظر : كتاب مروان بن الحكم إلى معاوية بن أبى سفيان يستفتيه فى مجنون قتل رجلاً . أخرجه مالك فى الموطأ كتاب العقول، باب ما جاء فى دية العمد إذا قبلت وجناية المجنون 2/648 رقم 3 ، وانظر : اسد الغابة 5/202 رقم 4984

 (7) أخرجه البخارى ، كتاب الجهاد السير، باب الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء 6/13 رقم 2788، 2789، ومسلم ، كتاب الإمارة، باب فضل الغزو فى البحر 7/65 رقم 1912

(8) البداية والنهاية 8/229، وانظر : النهاية فى الفتن والملاخم 1/17، وفتح البارى 6/23، 120 أرقام 2799، 2800، 2924.

(9) "قد أوجبوا" قال ابن حجر : أى فعلوا فعلاً وجبت لهم به الجنة، قال المهلب وفى الحديث : منقبة لمعاوية لأنه أول من غزا البحر، ومنقبه لولده يزيد لأنه أول من غزا مدينة قيصر . انظر : فتح البارى 6/120 -121 رقم 2924

(10) أخرجه البخارى ، كتاب الجهاد والسير، باب ما قيل فى قتال الروم 6/120 رقم 2924