بحث عن بحث

 

الجواب عن الطعون السابقة (1-4)

 

نماذج لما كان عليه سلفنا الصالح من جراءة فى الحق مع خلفائهم وملوكهم وأمراءهم، لا يخشون لوماً، ولا موتاً، ولا أذى، ولا اضطهاداً :

أما موقف الصحابة مع خلفائهم في قول الحق دون خوف أو خشية، فذلك كثير ، نقتصر على بعض منه .

 هذا موقف لأبى بن كعب رضي الله عنه مع الفاروق عمر رضي الله عنه أخرجه ابن راهوية عن الحسن أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رد وعلى أبى بن كعب رضي الله عنه قراءة آية، فقال أبى : لقد سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت يليهك يا عمر الصفق بالبقيع . فقال عمر رضي الله عنه : صدقت إنما أردت أن أجربكم هل منكم من يقول الحق؟ فلا خير فى أمير لا يقال عنده الحق ولا يقوله"(1)

وروى أن أبى بن كعب قرأ : ( الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ) [ سورة المائدة / 107 ]فقال عمر رضي الله عنه كذبت . قال : أنت أكذب . فقال رجل : تكذب أمير المؤمنين؟ قال : أنا أشد تعظيماً لحق أمير المؤمنين منك . ولكن كذبته فى تصديق كتاب الله عز وجل، ولم أصدق أمير المؤمنين فى تكذيب كتاب الله عز وجل، فقال عمر : صدق"(2) .

فانظر كيف يمتحن عمر الصحابة فى مدى جهرهم بكلمة الحق إذا عدل عنها الأمير، وانظر كيف كان الصحابة يعرفون لأمرائهم حقهم، فإذا عدلوا عن الحق لم تأخذهم فى الله لومة لائم .

أما عن موقف الصحابة والتابعين فمن بعدهم من أئمة الإسلام، من ملوكهم وأمراءهم، فهذا كثير أيضا .

 منها ما ذكره الحافظ الذهبى فى ترجمة - ابن أبى ذئب الإمام الثبت - قال الإمام أحمد : "دخل بن أبى ذئب على المنصور فلم يهبه أن قال له الحق، وقال الظلم ببابك فاش، وأبو جعفر، أبو جعفر".

.وعن محمد بن إبراهيم تلميذ بن أبى ليلى قال : "كنت عند أبى جعفر المنصور - وعنده بن أبى ذئب، فقال أبو جعفر : ما تقول فى الحسن بن زيد -وكان والياً للمدينة أيام المنصور- قال يأخذ بالإحنة - أى الحقد ويقضى بالهوى . فقال له الحسن : الله الله، والله ما سلم منه أحد، وإن شئت فسله عن نفسك يا أمير المؤمنين . قال محمد بن إبراهيم - فجمعت ثيابى والسياف قائم على رأس أبى جعفر، مخافة أن يأمر به فيقتل، فيصيب دمه ثوبى، قال ما تقول فى؟ قال - اعفنى يا أمير المؤمنين . قال لابد أن تقول . قال إنك لا تعدل فى الرعية ولا تقسم بالسوية . فتغير وجه أبى جعفر فقام إبراهيم بن يحيى والى المدينة أيام المهدى- وقال : طهرنى بدمه يا أمير المؤمنين؟ قال له ابن أبى ذئب - اقعد يا بنى فليس فى دم رجل يشهد أن لا إله إلا الله طهور"(3)

وموقف سفيان الثورى - رحمه الله - مع أبى جعفر المنصور مشهور؛ فقد كان سفيان -رحمه الله- قوالاً بالحق، شديد الإنكار، حتى مات فى البصرة مختبئاً من المهدى(4) .

 وما موقف المحدثين - وعلى رأسهم أحمد بن حنبل - رحمه الله - مع الأمراء العباسيين فى محنة خلق القرآن ببعيد . وغير ذلك الكثير، ولولا أن المقام لا يحتمل المزيد لنقلت لك أخباراً مشرقة عن هؤلاء الأفذاذ(5) .

صلة علماء المسلمين بالملوك والأمراء :

 زعم أعداء السنة، أعداء الإسلام، أن صلات علماء المسلمين بالملوك والأمراء مكنت لهم أن يستغلوهم فى وضع الأحاديث الموافقة لأهوائهم وتثبيت سلطانهم .

يقول الدكتور السباعى رداً على ذلك : "ولا ندرى كيف تكون الصلة بين أئمة المسلمين الثقات الأثبات، وبين الملوك والأمراء علامة على استغلالهم لهم، وقديماً كان العلماء يتصلون بالخلفاء والملوك، دون أن يمس هذا أمانتهم فى شئ، فقديماً تردد الصحابة على معاوية، وتردد التابعون .

 فهؤلاء الأئمة إذا اتصلوا بهؤلاء الأمراء والملوك، أو اتصلوا هم بهم، لا سبيل إلى أن يؤثر ذلك فى دينهم، وأمانتهم، وورعهم، والمستفيد منهم على كل حال، هم المسلمون الذين يغدو علماؤهم ويروحون من حلقات العلم إلى مجالس الخلفاء يروون حديثاً، أو يبثون فكرة، أو يبثون حكماً، أو يبينون حكماً، أو يؤدبون لهم ولداً، أو يذكروهم بما للأمة عليهم من حقوق وما عليهم من واجبات .

انظر:إلى ما رواه ابن عساكر بسنده إلى الشافعى -رحمه الله- أن هشام بن عبدالملك سأل سليمان بن يسار عن تفسير قوله تعالى : ( وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [ سورة النور / 11 ]فقال هشام : كذبت : إنما هو على بن أبى طالب، ويظهر أن هشاماً لم يكن جاداً فيما يقول، ولكنه يريد أن يختبر شدتهم فى الحق - فقال سليمان بن يسار : أمير المؤمنين أعلم بما يقول، ثم وصل ابن شهاب، فقال له هشام : من الذى تولى كبره منهم؟ فقال الزهرى: هو عبد الله بن أبى بن سلول، فقال له هشام : كذبت . إنما هو على بن أبى طالب، قال الزهرى وقد امتلأ غضباً : أنا أكذب؟ لا أبالك! فوالله لو نادانى مناد من السماء أن الله أحل الكذب ما كذبت…حدثنى فلان،وفلان،أن الذى تولى كبره منهم،هو عبدالله بن أبى بن سلول،… وفى القصة فقال هشام:إنا نهيج الشيخ .مما يدل على أنه لم يكن جاداً فى قوله "كذبت".

ألا ترى فى هذه الحادثة ما يدلك على أن الصلة بين العلماء والخلفاء أدنى وأضعف من أن تصل إلى دينهم وأمانتهم؟

رجل يقول لخليفة المسلمين : لا أبا لك! وهى كلمة لا يقولها رجل عادى لآخر مثله يحترمه، لدليل على أن صلتهم بالخلفاء والأمراء ليست صلة ضعيف بقوى، ولا مخدوع بخادع بل صلة واثق بدينه، معتز بعلمه يغضب إن كُذِّب، ويثور إذا حُرِّفت حقيقة من حقائق التاريخ المتصل بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجل يزأر فى وجه الخليفة زئير الأسد لأنه كذَّبه فى تفسير آية من كتاب الله عز وجل خلاف ما يعلم أهل العلم من قبله، هل من المعقول أن يميل إلى أهواء الخليفة، فيضع له أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أصل لها؟! ألا ترى إلى قول الزهرى : "أنا أكذب؟ لا أبالك! فوالله لو نادانى مناد من السماء إن الله أحل الكذب ما كذبت".

إن الزهرى كان من ذلك الطراز الممتاز فى تاريخ الإنسانية الذين ربَّاهم محمد صلى الله عليه وسلم وأخرجهم للدنيا آيات باهرات فى صدق اللهجة وسموا النفس، والترفع عن الكذب حتى ولو كان مباحاً(6)أ.هـ.

يقول الأستاذ الصديق بشير : "ثم هل أولئك الفقهاء من الخور، وقلة الورع بحيث يستغلهم الحكام لتثبيت حكمهم؟!

 إن تاريخ هؤلاء ينفى ذلك بشدة، حتى بلغ الأمر ببعضهم أن حرم على نفسه مخالطة السلاطين الظلمة(7).

 بل وصل الأمر ببعضهم إلى أن يضرب، ويحبس، لرفضه تولية القضاء كأبى حنيفة -رحمه الله-(8)

وانظر كيف كان الخلفاء يهابون العلماء، هاهو الخليفة المهدى يدخل مسجد النبى صلى الله عليه وسلم فلم يبق أحد إلا قام إلا ابن أبى ذئب فقيل له : قم، فهذا أمير المؤمنين، قال : إنما يقوم الناس لرب العالمين، فقال المهدى : دعوه فقد قامت كل شعرة فى رأسى(9)

 وانظر كيف يتمنى أبو جعفر المنصور أن يجلس فى وسط المحدثين لينال من صالح دعائهم لما قيل له : هل بقى من لذات الدنيا شئ لم تنله؟ قال : بقيت خصلة، أن أقعد فى مصطبة، وحولى أصحاب الحديث، يقول المستملى : من ذكرت، رحمك الله، قال : فغدا عليه الندماء، وأبناء الوزراء بالمحابر والدفاتر، فقال : لستم بهم، إنما هم الدنسة ثيابهم المشققة أرجلهم، الطويلة شعورهم، برد الآفاق، ونقلة الحديث(10)

 ثم ماذا يبتغى هؤلاء من مسايرتهم لأهواء الأمويين والعباسيين أيبتغون المال؟ أم الشهرة؟ إن التاريخ يشهد بأنهم لم يستعبدهم المال ولا الشهرة، وقد قيل أنه لم ير السلاطين والملوك والأغنياء فى مجلس أحقر منهم فى مجلس الأعمش، مع شدة حاجته وفقره(11)

وهل يبلغ الحمق، والغباوة بهم، أن يبيعوا دينهم، وسمعتهم بين المسلمين، وهم لا يطمعون فى مال ولا جاه ولا منصب؟(12)أ.هـ.


(1) ذكره صاحب كنز العمال 13/361 رقم 36766.

(2) أخرجه ابن جرير فى تفسيره 5/107 رقم 13977، دون ذكر رد عمر عليه، وانظر : الدر المنثور 3/606

(3) أدب الشافعى ص 32، وذكر القصة باختصار الذهبى فى التذكرة 1/192، وانظر : فى نفس الصفحة، موقفاً آخر للمهدى هاب فيه ابن أبى ذئب ـ

(4) تذكرة الحفاظ 1/206 وانظر : الثقات للعجلى ص 54 رقم 37 حكى عن أبى إسحاق الفزارى أنه أمر سلطان ونهاه فضربه مائة سوط

(5) انظر : للمزيد كتاب "الإسلام بين العلماء والحكام" للأستاذ عبد العزيز البدرى .

(6) السنة ومكانتها للدكتور السباعى ص 213 - 216 بتصرف

(7) إحياء علوم الدين 2/155، 166، وانظر: ضوابط الرواية عند المحدثين ص 347

(8) تذكرة الحفاظ 1/168، وانظر : تاريخ الخلفاء للسيوطى ص 248 وانظر : تاريخ محنة الفقهاء والمحدثين مع خلفاء بنى العباس فى كتاب تاريخ المذاهب الإسلامية للعلامة محمد أبو زهرة ـ

(9) تذكرة الحفاظ 1/192

(10) تاريخ الخلفاء للسيوطى ص 248

(11) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ للسخاوى ص 83.

(12) انظر : السنة في كتابات أعداء الإسلام 1 / 432 ــ438 .