بحث عن بحث

 

        المعتزلة وموقفهم من السنة النبوية(3-8)

 

3- الوعد والوعيد : وهم يقصدون به أن الله وعد المطيعين بالثواب وتوعد العصاة بالعقاب فيجب على الله - تعالى الله عن ذلك - أن ينفذ وعده ووعيده؛ بأن يعطى العبد أجر ما كلفه به من طاعات استحقاقاً منه على الله مقابل وعد الله له إذا التزم العبد بجميع التكاليف التي اختارها الله وكلف بها عباده، وكذلك يجب على الله أن ينفذ وعيده فيمن عصاه، ويلزم على هذا الأصل أن الله عزَّ وجلَّ لا يعفو عمن يشاء، ولا يغفر لمن يريد؛ لأن ذلك يكون بخلف الوعيد والكذب، والله عزَّ وجلَّ لا يجوز عليه الخلف والكذب، وبمقتضى هذا الأصل فإن أصحاب الكبائر من عصاه المؤمنين إذا ماتوا من غير توبه؛ فإنهم يستحقون بمقتضى الوعيد من الله النار خالدين فيها إلا أن عقابهم يكون أخف من عقاب الكفار(1) .

وبناء على هذا الأصل تأولوا الآيات التي تفيد بأن الله عزَّ وجلَّ يعفو عمن يشاء ويعذب من يشاء؛ كقوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) [ سورة النساء / 48 ] . وقوله تعالى : (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [ سورة الزمر /53 ] .

واستدلوا بالآيات الواردة في نفي الشفاعة عن غير المؤمنين الفائزين؛ كقوله تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ) [ سورة البقرة /48 ] وكذا قوله تعالى (مَا للظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ) [ سورة غافر / 18 ] إلى غير ذلك من الآيات الواردة بهذا المعنى .

وبناءً على هذا الأصل أيضاً ردوا الأحاديث الواردة في شفاعة عصاة المؤمنين من أهل الكبائر، والأحاديث التي تفيد أنهم تحت المشيئة إن شاء الله عذبهم، وإن شاء غفر لهم .

4- المنزلة بين المنزلتين : وهم يقصدون بها أن مرتكب الكبيرة يخرج من الإيمان،ولا يدخل في الكفر؛ فهو ليس بمؤمن ولا كافر، لكنه في منزلة بينهما فاسق، والفاسق يستحق النار، والمعتزلة بقولهم بهذا الأصل وافقوا الخوارج؛ لأن الخوارج لما رأوا لأهل الذنوب الخلود في النار سموهم كفرة، وحاربوهم، والمعتزلة رأت لهم الخلود في النار، ولم تجسر على تسميتهم كفرة ولا جسرت على قتال أهل فرقة منهم، فضلاً عن قتال جمهور مخالفيهم، ولهذا قيل للمعتزلة : إنهم مخانيث الخوارج(2) .

ويعد هذا الأصل الرابع هو نقطة البدء في تاريخ المعتزلة كما سبق في نشأتهم .

وكان لهذا الأصل أثره السيء في موقف المعتزلة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم .، وخصوصاً أصحاب الجمل، وصفين من الفريقين؛ على، ومعاوية - رضي الله عن الجميع - كما سيأتي .

 5- الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر : هذا الأصل توافق فيه أهل السنة والمعتزلة، واتفقوا على أنه من الواجبات على الكفاية، وهو ما قرره المولى عزَّ وجلَّ في كتابه العزيز (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [ سورة آل عمران /104 ](3).

إلا أنه وقع خلاف بين أهل السنة والمعتزلة فيما يلي :

أ- حملهم الناس على المعروف والمنكر في مذهبهم وإلزامهم به، ويبدوا هذا واضحاً في محنة خلق القرآن .

ب- طريقة تغيير المنكر؛ ساروا فيها عكس الحديث الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم .، في بيان موقف المسلم من المنكر إذا رآه وهو قوله صلى الله عليه وسلم . : (من رأى منكم منكراً؛ فليغيره بيده، فإن لم يستطع؛ فبلسانه، فإن لم يستطع؛ فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)(4) بينما تغيير المنكر عندهم يبدأ بالحسنى، ثم باللسان، ثم باليد، ثم بالسيف على عكس ما يرشد إليه الحديث، ويذهب إليه أهل الحق .

ج- حمل السلاح في وجوه المخالفين لهم سواء كانوا من الكفار أو من أصحاب المعاصي من أهل القبلة .

د- أوجبوا الخروج على السلطان الجائر، وهم في كل ذلك متأثرون بتنطع الخوارج(5) . وخلاصة هذا الأصل عندهم أنهم قالوا : "علينا أن نأمر غيرنا بما أمرنا به، وأن نلزمه بما يلزمنا(6) .

 

(1) - شرح الأصول ص 134، وانظر : الملل والنحل 1 /42، والمعتزلة زهدى جار الله ص 51، 52، وفضل الاعتزال ص 154.

(2) - الفرق بين الفرق للبغدادى ص116، وانظر : الملل والنحل 1 /42، وشرح الأصول ص137، 697، وفضل الاعتزال 17، 64.

(3)  - انظر : شرح الأصول ص 141، 744.

(4)  - أخرجه مسلم ، كتاب الإيمان، باب بيان كون النهى عن المنكر من الإيمان ... إلخ رقم 49 من حديث أبى سعيد الخدرى رضي الله عنه .

(5)  - فرق معاصرة 2 /849 - 851، وانظر : الخلافة ونشأة الأحزاب الإسلامية ص 256، 261، والمعتزلة وأصولهم الخمسة وموقف أهل السنة منها للأستاذ عواد عبد الله ص273، 276.

(6) - شرح العقيدة الطحاوية 2 /286.