بحث عن بحث

ترتيب المخلوقات وآخرها الإنسان

 

حديث أبي هريرة: قال: أخذ رسول الله بيدي، فقال: «خلق الله عز وجل التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المَكْرُوهَ(1) يوم الثلاثاء، وخلق النور(2) يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل»(*).

أخرجه مسلم - وانفرد به عن الستة(3) - والنسائي -في الكبرى-(4) وأحمد(5)، وأبو يعلى(6)، والطبري(7)، وابن خزيمة(8)، وابن أبي حاتم(9)، وابن حبان(10)، وأبو الشيخ(11)، وابن مندة(12)، والبيهقي(13)، والخطيب(14)، كلهم من طرق عن حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج، عن إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبدالله بن رافع -مولى أم سلمة-، عنه.

وتابعه هشام بن يوسف، عن ابن جريج، به، رواه عنه ابن معين(15)، ومن طريقه أخرجه الدولابي(16).

وتابعه أيضاً محمد بن ثور، عن ابن جريح، به، عند أبي الشيخ(17).

وفي إسناده أيوب بن خالد بن صفوان، ويعرف بأيوب بن خالد بن أبي أيوب الأنصاري، قال فيه الحافظ: (فيه لين) (18).

لكن تابعه عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة، أخرجه النسائي -في الكبرى- من طريق الأخضر بن عجلان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي هريرة، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخذ بيدي فقال: «يا أبا هريرة إن الله خلق السموات والأرضين وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش يوم السابع، وخلق التربة يوم السبت، والجبال يوم الأحد والشجر يوم الاثنين، والتِّقْنَ(19) يوم الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء، والدواب يوم الخميس، وآدم يوم الجمعة، في آخر ساعة من النهار بعد العصر، وخلق أديم الأرض أحمرها وأسودها وطيبها وخبيثها، من أجل ذلك جعل الله عز وجل من آدم الطيب والخبيث»(20).

وإسناده حسن، رجاله ثقات كلهم إلا الأخضر فهو (صدوق)(21).

وابن جريج وإن كان مدلساً وقد عنعن، إلا أن عنعنته هنا تحمل على الاتصال، حيث إنه قد لازم عطاء سبع سنين، ولذا قال عنه الحافظ: «من أعلم الناس بحديث عطاء»(22).

والمدلس إذا عنعن عن شيخ، أكثر من الرواية عنه، فإن عنعنته تحمل على الاتصال(23).

ويظهر أن لابن جريج في هذا الحديث شيخين، بدليل الزيادة التي في أوله من طريق الأخضر، والله أعلم.

وقد تكلم غير واحد من المحدثين في هذا الحديث، ورد عليهم آخرون، وقد رتبت المطاعن والردود عليها كما يلي:

أولاً: المطاعن:

أ -  المطاعن في الإسناد:

1 - قال علي بن المديني: "وما أرى إسماعيل بن أمية أخذ هذا إلا عن إبراهيم بن أبي يحيى"(24). يعني وإبراهيم -وهو ابن محمد بن أبي يحيى الأسلمي- (متروك)(25)، فلا يثبت الحديث عن أيوب ولا من فوقه.

2 - قال البخاري: "وقال بعضهم: عن أبي هريرة، عن كعب، وهو أصح"(26).

3 - قال ابن كثير: "اختلف فيه على ابن جريج"(27).

4 - في إسناده أيوب بن خالد -بن صفوان الأنصاري- قال فيه الحافظ: (فيه لين)(28).

ب - المطاعن في المتن:

1 - اُعترض على هذا الحديث بأنه مخالف للقرآن، قال ابن كثير: "في متنه غرابة شديدة، فمن ذلك أنه ليس فيه ذكر خلق السماوات، وفيه ذكر خلق الأرض وما فيها في سبعة أيام، وهذا خلاف القرآن"(29).

2 - واُعترض عليه أيضاً بأنه مخالف للأحاديث والآثار، التي تفيد أن ابتداء الخلق كان يوم الأحد، وهو ما تدل عليه أسماء الأيام: الأحد، الاثنين، الثلاثاء، الأربعاء، الخميس(30).

3 - قال البيهقي: "وزعم بعض أهل العلم بالحديث، أنه غير محفوظ؛ لمخالفته ما عليه أهل التفسير وأهل التواريخ"(31).

4 - قال عبدالقادر القرشي في الجواهر المضية -بعد أن ذكر الحديث-: "اتفق الناس على أن يوم السبت لم يقع فيه خلق، وأن ابتداء الخلق كان يوم الأحد"(32).

5 - رد شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الحديث لأمرين: أحدهما طعن بعض المحدثين فيه، قال: "فإن هذا -أي هذا الحديث- طعن فيه من هو أعلم من مسلم، مثل يحيى بن معين، ومثل البخاري، وغيرهما، وذكر البخاري أن هذا من كلام كعب الأحبار، واعتبرت طائفة صحته مثل أبي بكر الأنباري، وأبي الفرج ابن الجوزي، وغيرهما، والبيهقي وغيره وافقوا الذين ضعفوه".

ثانيهما: دليل نظري، قال: "وهذا هو الصواب -يعني تضعيف الحديث- لأنه قد ثبت بالتواتر أن الله قد خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وثبت أن آخر الخلق كان يوم الجمعة، فيلزم أن يكون أول الخلق يوم الأحد".

ثم أيد هذا بثلاثة أمور: فقال: "وهكذا هو عند أهل الكتاب، وعلى ذلك تدل أسماء الأيام، وهذا هو المنقول الثابت في أحاديث وآثار أُخَر"(33). اهـ.

ولم يذكر شيئاً من هذه الأحاديث والآثار، التي أشار إليها.

ثانياً: الردود:

أ - الردود على المطاعن في الإسناد:

1 - التعليل بأن إسماعيل بن أمية، أخذه عن إبراهيم بن أبي يحيى، لا يصح؛ لأن إسماعيل بن أمية غير متهم بالتدليس ولا بالإرسال، وهو ثقة ثبت(34)، معاصر لشيخه أيوب بن خالد، والذين ترجموا له لم يثبتوا له سماعاً، أو رواية عن إبراهيم بن أبي يحيى، "ولهذا لم يرتض البخاري قول شيخه ابن المديني، وأعله بأمر آخر"(35).

وأيضاً فإن أسلوب البيهقي، في ذكره لقول ابن المديني، يدل على أنه يخالفه كذلك؛ حيث قال: "وزعم بعضهم: أن إسماعيل بن أمية إنما أخذه عن إبراهيم بن أبي يحيى"، ثم ذكر متابعاً لإسماعيل بن أمية، فقال: "وقد تابعه على ذلك موسى بن عبيدة الربذي، عن أيوب بن خالد، إلا أن موسى بن عبيدة ضعيف"(36).

2 - قول البخاري: "وقال بعضهم: عن أبي هريرة، عن كعب الأحبار، وهو أصح".

يؤخذ منه أن إسناد مسلم لا مطعن فيه، إلا مخالفته لقول من قال: عن أبي هريرة عن كعب الأحبار، ومن هنا يمكن أن يُرَدَّ كلام البخاري؛ وذلك أن الطريق التي صححها لم يذكر إسنادها، ولا متنها، وبالتالي لا يُعَل بها ما في صحيح مسلم، حتى نقف على سندها، لاحتمال أن تكون ضعيفة في نفسها، وإنما قويت عند البخاري لشيء آخر(37)، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى فإنها إما أن تكون عن كعب بالمتن نفسه -أعني ذكر ابتداء الخلق يوم السبت-، أو تكون بذكر ابتداء الخلق يوم الأحد.

فإن كانت عن كعب بذكر ابتداء الخلق يوم السبت، فهذا يدل على ضعفها؛ وذلك أن كعب إنما كان كتابياً، وابتداء الخلق عند أهل الكتاب هو يوم الأحد(38)، فكيف يُنقل عنه أن ابتداء الخلق كان يوم السبت؟!.

وإن كانت عن كعب بذكر أن ابتداء الخلق يوم الأحد، فمعناه أن أبا هريرة روى عن كعب ما عنده من علم الكتاب، وروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما سمعه منه، وحينئذ فلا إشكال، وهذا على فرض صحة الطريق التي ذكرها البخاري.

3 - قول ابن كثير: "اختلف فيه على ابن جريج" قاله عقب ذكره الحديثين -المتقدم تخريجهما- وأراد أن يُعَل أحدهما بالآخر، لأجل الاختلاف على ابن جريج في إسناده، حيث إن حجاج بن محمد الأعور وغيره، رووه عن ابن جريج، عن إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبدالله بن رافع، عن أبي هريرة، ورواه الأخضر بن عجلان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي هريرة.

والجواب أنه إذا سلمنا أن هذا اختلاف، فالراجح رواية حجاج بن محمد الأعور؛ لأنه أوثق من الأخضر، وقد تابعه على ذلك همام بن يوسف، ومحمد بن ثور -كما سبق-، لكن لا نُسَلم أن هذا اختلاف، بل يُحمل هذا على أن لابن جريج في هذا الحديث إسنادين، وما دام يمكن الجمع فلا محيد عنه إلى غيره.

4 - قول الحافظ في أيوب بن خالد: (فيه لين)، لا يُسَلم له ~ وذلك للأمور التالية:

أ-  أن الذين ردوا هذا الحديث، لم يُعلوه بضعف أحد من رواته، مما يدل على قوة أيوب عندهم، ولو كان أيوب ضعيفاً لما ذهبوا يتلمسون عللاً أخرى للحديث.

ب -  أن عدداً من الحفاظ المتقنين صححوا حديث أيوب هذا، على رأسهم مسلم، وابن خزيمة، وابن حبان، وابن مندة، ورواه ابن معين في تاريخه ولم يعله بشيء؛ ولذا قال الشيخ الألباني: "ويكفي في صحة هذا الحديث أن ابن معين رواه ولم يعله بشيء"(39).

جـ  - لم أقف على من أدخله في الضعفاء، فيما وقفت عليه من الكتب المؤلفة في الضعفاء.

  د  - لم يضعفه سوى الأزدي، وهو نفسه لين عند المحدثين(40).


 



(1)     
هكذا هو بلفظ (المكروه)، عند كل من أخرجه من طريق ابن جريج، عن إسماعيل بن أمية وعند النسائي في الكبرى  كما سيأتي  من طريق ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، بلفظ (التقن) قال النووي: "قوله -صلى الله عليه وسلم-: «خلق المكروه يوم الثلاثاء»، كذا رواه ثابت بن قاسم، قال: وهو ما يقوم به المعاش، ويصلح به التدبير، كالحديد، وغيره من جواهر الأرض، وكل شيء يقوم به صلاح شيء فهو تقنه، ومنه إتقان الشيء، وهو إحكامه، قلت  أي النووي : ولا منافاة بين الروايتين، فكلاهما خُلق يوم الثلاثاء". اهـ. شرح النووي (17/133)

يظهر أن في كلام النووي سقطاً  في المطبوع  لأن الكلام الذي نقله، يوحي بأن ثابت بن قاسم رواه بلفظ: (التِّقْن)، بدليل بُعد المعنى الذي ذكره عن معنى (المكروه)، وبدليل قول النووي: "لا منافاة بين الروايتين"، وسيأتي مزيد بيان لمعنى (التِّقْن)

أما لفظة (المكروه) فقال ابن الأثير: "أراد بالمكروه هنا الشرّ، لقوله: "وخلق النور يوم الأربعاء" والنور خير، وإنما سمي الشر مكروهاً؛ لأنه ضد المحبوب". اهـ. النهاية في غريب الحديث (4/169).

(2)     قال النووي: "كذا في صحيح مسلم: (النور) بالراء، وروايات ثابت بن قاسم: (النون)، بالنون في آخره، قال القاضي: وكذا رواه بعض رواة صحيح مسلم، وهو: الحوت، ولا= =منافاة أيضاً فكلاهما خلق يوم الأربعاء". اهـ. شرح النووي (17/134)

(*)    القرار المكين، ص (127)

(3)     صحيح مسلم  صفة القيامة والجنة والنار  باب ابتداء الخلق وخلق آدم عليه السلام (4/2149، 2150 ح 2789).

(4)     سنن النسائي الكبرى  التفسير (المفرد) (1/201، 202ح 30)

(5)     المسند (2/327).

(6)     مسند أبي يعلى (10/513، 514 ح 6132). وسقط راويان من إسناد أبي يعلى وهما: ابن جريج وشيخه، لكن ابن حبان رواه عن شيخه أبي يعلى على الصواب

(7)     تفسير الطبري (جامع البيان....) (24/94، 95)، وتاريخ الأمم والملوك (1/23)

(8)     صحيح ابن خزيمة (3/117 ح 1731)

(9)     تفسير ابن أبي حاتم (1/103ح 305)

(10)     الإحسان (8/11ح 6128)

(11)     العظمة (4/1358ح 875)

(12)     التوحيد (1/183ح 58)
(13)     
السنن الكبرى (9/458)، والأسماء والصفات ص (383)

(14)     تاريخ بغداد (5/188، 189)

(15)     تاريخ ابن معين  رواية الدوري (3/52ح 210)

(16)     الكنى (1/175)

(17)     العظمة (4/1360، 1361 ح 876)

(18)     تقريب التهذيب، ص (118). وانظر الرد على حكم الحافظ هذا في النقطة الرابعة من الردود على المطاعن في الإسناد

(19)     قال ابن فارس: "التاء والقاف والنون أصلان: أحدهما إحكام الشيء، والثاني الطين والحمأة". معجم مقاييس اللغة (1/350)، وفي لسان العرب (1/437): التقن: ترنوق البئر= =والدمن، وهو الطين الرقيق يخالطه حمأة يخرج من البئر، والطين الذي يذهب عنه الماء فيتشقق، وتقنوا أرضهم: أرسلوا فيها الماء الخاثر لتجود، وبقية الماء الكدر في الحوض. والتقن  أيضاً : الطبيعة: والفصاحة من تقنه: أي من سُوسه وطبعه.وانظر ما سبق في حاشية (1) في أول المبحث.

(20)     سنن النسائي الكبرى  التفسير (المفرد) (1/153  155ح 412)

(21)     تقريب التهذيب ص (97)

(22)     هدي الساري مقدمة فتح الباري، ص (357)

(23)     انظر ضوابط الجرح والتعديل، ص (123)

(24)     البيهقي في الأسماء والصفات ص (384) بإسناده إلى ابن المديني

(25)     تقريب التهذيب ص (93)

(26)     التاريخ الكبير (1/413، 414)

(27)     البداية (1/14)

(28)     تقريب التهذيب ص (118)

(29)     البداية (1/15)

(30)     الأنوار الكاشفة، ص (189)، وانظر مجموع الفتاوى (18/18)

(31)     البيهقي في الأسماء والصفات ص (384)

(32)     الجواهر المضية في طبقات الحنفية (2/429)

(33)     انظر مجموع الفتاوى (18/18)

(34)     انظر ترجمته في تهذيب التهذيب (1/247)، وتقريب التهذيب ص (106)

(35)     الأنوار الكاشفة ص (189)

(36)     انظر الأسماء والصفات ص (384)

(37)     انظر الأنوار الكاشفة ص (189)

(38)     قال ابن الجوزي: "قاله عبدالله بن سلام، وكعب، والضحاك، ومجاهد، واختاره ابن جرير الطبري، وبه يقول أهل التوراة. زاد المسير (3/211)، وقال ابن كثير: "وهو نص التوراة". البداية (1/13) وقال المعلمي: "أنه هو المحفوظ عن كعب، وعبدالله بن سلام، ووهب بن منبه، ومن يأخذ عنهم". الأنوار الكاشفة ص (189)، وانظر سفر التكوين  الإصحاح الأول والثاني

(39)     السلسلة الصحيحة (4/450)

(40)     المصدر السابق