بحث عن بحث

 

المبحث الثامن (السقط (1ـ2)) (1)

 

1– حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: «النطفة إذا استقرت في الرحم ، جاءها ملك ، فأخذها بكفه فقال: أي رب ، مخلقة أم غير مخلقة ؟ فإن قيل: غير مخلقة ، لم تكن نسمة، وقذفتها الأرحام دماً ، وإن قيل: مخلقة ، قال: أي رب ، ذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ ما الأجل؟ وما الأثر؟ وبأي أرض تموت؟ قال: فيقال للنطفة: من ربك؟ فتقول: الله. فيقال: من رازقك؟ فتقول: الله . فيقال: اذهب إلى أم الكتاب ؛ فإنك تجد فيه قصة هذه النطفة . قال: فتخلق فتعيش في أجلها ، وتأكل من رزقها ، وتطأ في أثرها ، حتى إذا جاء أجلها ماتت ، فدفنت في ذلك [المكان](2)» – ثم تلا الشعبي هذه الآية: { يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام مانشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج } [الحج: 5] – «فإذا بلغت مضغة نكست في الخلق الرابع فكانت نسمة، فإن كانت غير مخلقة ، قذفتها الأرحام دماً، وإن كانت مخلقة نكست نسمة »(*).

أخرجه الحكيم الترمذي ، قال: حدثنا سفيان بن وكيع قال: حدثنا ابن الفضيل عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن علقمة عنه، موقوفا(3).

وابن فضيل هو محمد بن فضيل بن غزوان (صدوق)(4).

وسفيان بن وكيع ( كان صدوقاً ، إلا أنه ابتلي بوراقه ، فأدخل عليه  ما ليس من حديثه ، فنُصح فلم يقبل فسقط حديثه )(5). لكنه قد توبع، فقد أخرجه الطبري عن أبي كريب عن أبي معاوية عن داود بن أبي هند ، به مختصراً(6).

ورجاله كلهم ثقات، إلا أن أبا معاوية قد يَهِمُ في حديث غير الأعمش(7).

قال ابن حجر في الفتح (1/419): "وإسناده صحيح ، وهو موقوف لفظاً، مرفوع حكماً".اهـ.

وهذا الحكم على إسناد الطبري، فقد عزا الحافظ الحديث إليه فقط.

والحديث له حكم الرفع، فمثله لا يقال بالرأي، وهو بمجموع الطريقين حسن إن شاء الله.

 

¯         ¯        ¯

 

2– حديث عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه (8) قال: « إذا مكثت النطفة في رحم المرأة أربعين ليلة ، جاءها ملك فاختجلها(9)، ثم عرج بها إلى الرحمن عزوجل ، فيقول: اخلق يا أحسن الخالقين ، فيقضي الله فيها ما يشاء من أمره ، ثم تدفع إلى الملك ، فيقول: يا رب أسقط أم تمام؟ فيبين له »(*).

أخرجه ابن وهب(10)، والفريابي(11)، واللالكائي(12)، كلهم من طريق ابن لهيعة عن كعب بن علقمة عن عيسى بن هلال عنه موقوفاً .

وتمامه: «فيقول: أناقص الأجل أم تام الأجل؟ فيبين له ويقول: يا رب أواحد أم توءم؟ فيبين له ، فيقول: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيبين له ، ثم يقول: أشقي أم سعيد؟ فيبين له ، ثم يقول: يا رب أقطع رزقه ، فيقطع له رزقه مع خلقه ، فيهبط بهما جميعاً ، فو الذي نفسي بيده ، ما ينال من الدنيا ، إلا ما قسم له ، فإذا أكل رزقه قبض».

 

هذا لفظ اللالكائي؟ ولفظ الآخرين مثله ، إلا لفظة «فيبين له» ، فهي عند ابن وهب: «فيتبين له» ، وعنده أيضاً: «فو الذي نفس محمد بيده» ، ولم يرد ذكر التوءم عند الفريابي .

أورد اللالكائي هذا الحديث ضمن أقوال الصحابة ، في سياق ما رُوي وما فُعل من الإجماع في آيات القدر، لكن الأظهر أنه مرفوع ، كما بين ذلك شيخنا الدكتور/ عبدالعزيز العثيم ، في تعليقه على كتاب القدر لابن وهب ، حيث قال: " والحق أنه مرفوع ؛ لأنه لا يمكن صدوره من قبل الرأي ، ولأنه جاء في أثناء الحديث قوله: « والذي نفس محمد بيده» ، إن لم يكن ذكر لفظ (محمد) تصحيفاً ؛ لأنه لم يأت ذكرها عند الفريابي واللالكائي ، لكن عندي أنها ليست تصحيفاً ".اهـ.

 

والحديث ضعيف بهذا الإسناد ، حيث إن ابن لهيعة عنعنه ، وهو مدلس من الخامسة(13)، إضافة إلى أنه ( خلط بعد احتراق كتبه....) (14)، فلا ينفعه كون ابن وهب روى عنه ، ما لم يصرح بالسماع .

ولكن يبدو أن الحافظ ، قد اطلع على طريق أخرى لهذا الحديث مرفوعاً ؛ فقد عزاه في الفتح إلى الطبراني في الكبير مرفوعاً ، وحسن إسناده(15).

 


 


(1) -  السقط – بالكسر، والفتح، والضم – والكسر أكثرها –: الولد الذي يسقط من بطن أمه قبل تمامه. النهاية (2/378).

(2) -  هكذا في نوارد الأصول، وعزاه ابن رجب إلى ابن أبي حاتم ولم يذكر هذه اللفظة (1/160). 

(*) - رحلة الإيمان في جسم الإنسان ص (84).

(3) -  نوارد الأصول (ق70/أ).

(4) -  تقريب التهذيب ص (502).

(5) -  تقريب التهذيب ص (245).

(6) -  تفسير الطبري (جامع البيان...) (17/117).

(7) -  تقريب التهذيب ص (475).

(8) -  ما بين المعكوفتين لم أقف عليه في المصادر التي خرجت منها هذا الحديث، وليس في جامع العلوم والحكم، وهو المصدر الذي نقل منه المستدل، فلعله سبق قلم منه.

(9) -  أصل الخَلْج والاختلاج: الجذب والنزع، والحركة والاضطراب. انظر: النهاية (2/59، 60)، والمعجم الوسيط (1/248).

(*) -  خلق الإنسان بين الطب والقرآن، ص (406).

(10) - القدر ص (163، 164ح 45).

(11) - القدر (ق29).

(12) - شرح أصول اعتقاد أهل السنة (4/674، 675).

(13) - طبقات المدلسين ص (54).

(14) - تقريب التهذيب (319).

(15) - انظر فتح البارئ و(1/418 شرح حديث 318)، وراجع شروح أطراف هذا الحديث برقم (3333، 6595) (11/478، 479)، ولم أجده في المطبوع من المعجم الكبير، فلعله في المفقود.