بحث عن بحث

المبحث العاشر (أثر زواج الأقارب الوراثي (1ـ2))

حديث:

أ ( اغتربوا ولا تضووا) (*).

ب ( لا تنكحوا القرابة، فإن الولد يخلق ضاوياً ) (**).

اللفظ الأول لم أقف عليه إلا في غريب الحديث للحربي ، قال: «وكان عندهم أن ابن الرجل من ابنة عمه ، يكون صغيراً ضعيفاً، وإذا كانت غريبة، كان أقوى لولدها وأطول، فمن ثم قال: ( اغتربوا لا تضووا ) أي تزوجوا الغرائب، ولا تضووا: تأتوا بأولاد ضاوين مهازيل»(1).

ووجدتهما معاً في النهاية ، قال: «وفيه: ( اغتربوا لا تضووا ).

وشرحه ثم قال: «ومنه الحديث ( لا تنكحوا القرابة القريبة...) اهـ.

ونقل العراقي عن ابن الصلاح أنه قال: "لم أجد له أصلاً معتمداً". ثم قال: "إنما يُعرف من قول عمر، أنه قال لآل السائب: (قد أضويتم فانكحوا في النوابغ)، رواه إبراهيم الحربي في غريب الحديث، وقال: معناه تزوجوا في الغرائب، قال: ويقال: (اغربوا لا تضووا)" (2). اهـ.

ولم أجد ما ذكره، في الجزء المطبوع من غريب الحديث للحربي، ولعله في المفقود، وزاد الحافظ: ذِكْرَ إسناد الحربي فقال: "وروى إبراهيم الحربي في غريب الحديث: عن عبد الله بن المؤمل، عن ابن أبي مليكة، قال: قال عمر لآل السائب....." (3). اهـ.

وعبدالله بن المؤمل هو المخزومي، (ضعيف) (4).

 

الاستدلال :

استدل بهذين النصين (أ) و (ب) عدد كبير من الأطباء، والكتاب، منهم: الدكتور/ محمود ناظم النسيمي، في كتابه (الطب النبوي والعلم الحديث) (5)، والدكتور/ محمد علي البار، في كتابه (هل هناك طب نبوي)، و (الوجيز في علم الأجنة) (6)، والدكتور حامد أحمد حامد، في كتابه (رحلة الإيمان في جسم الإنسان) (7)، والحافظ يوسف موسى، في كتابه (الجنس بين الإسلام والعلمانية) (8)، وعبدالله ناصح علوان، في كتابه (تربية الأولاد في الإسلام) (9)، ومحمد كامل عبدالصمد، في كتابه (الإعجاز العلمي في الإسلام السنة) (10)، والدكتورة/ سامية حسن الساعاتي، في كتابها (الاختيار للزواج والتغير الاجتماعي) (11).

واستدل بالنص (أ) الدكتور/ خالص جلبي، في كتابه (الطب محراب للإيمان) (12)، والدكتور/ محمد علي البار، في كتابه (عمل المرأة في الميزان) (13)، والدكتور/ عبدالحميد دياب، والدكتور/ أحمد قرقوز، في كتابهما (مع الطب في القرآن) (14)، والدكتور/ عز الدين فراج، في كتابه (الإسلام والوقاية من الأمراض) (15)، والدكتور/ عمر الألفي(16)، كلهم على أن هذين النصين، يتفقان مع ما كشفه علم الوراثة، من أن زواج الأقارب، يؤدي إلى أمراض وأضرار تصيب النسل.

فبعضهم أجمل الكلام فقال: إن زواج الأقارب يؤدي إلى هُزَال الذرية وضعفهم وبعضهم فصَّل، ولكن قبل نقل كلام بعضهم، نُذَكِّر بأن الجنين، يتكون من اندماج الحيوان المنوي وهو يحمل (23) كروموسوماً مع البويضة وهي تحمل العدد نفسه من الكروموسومات، وهذه الكروموسومات تحمل عدداً هائلاً من الصفات الوراثية (17).

وهذه الصفات الوراثية تنقسم إلى: صفات سائدة: أي قادرة على الظهور على الجنين، أو صفات متنحية: أي ضعيفة لا تظهر بمفردها على الجنين، إلا إذا تقابل اثنان منهما، يعني كالحديث الضعيف القابل للانجبار.

قال الدكتور/ البار: "وبما أن الصفات الوراثية قد تكون سائدة (DOMINANT)، وقد تكون متنحية (RECESSIVE)، فإن الصفات المتنحية لا تكون ظاهرة، لا في الأب، ولا في الأم، فإذا اتفق وكان الأب والأم كلاهما يحملان إحدى هذه الصفات المتنحية؛ فإن ربع أولادهم تقريباً ستظهر فيهم هذه الصفة المتنحية، بصورة واضحة جلية، وذلك لاجتماع الصفتين في كليهما.

وهذا ما يجعل الزواج بين الأقارب (CONSANGUINITY)، يُظهر الصفات والأمراض المتنحية، التي كانت مختفية، إذ إن كلا من الأب والأم المتقاربين في النسب، يحملان كثيراً من الصفات المشتركة والمتنحية بحيث إنها لا تظهر عليهم ولذا إذا اقترنا بالزواج، فإن احتمال ظهور هذه الصفات المتنحية، يصبح كبيراً جداً.

ومثلاً، فإن بعض الأمراض الوراثية، النادرة في المجتمع، يكون احتمال ظهورها في الزوجين البعيدي النسب، لا تزيد عن واحد في الألف، بينما يرتفع احتمال ظهور ذلك المرض الوراثي النادر إلى (35%)، عندما يكون الزوجان أولاد عم أو خال، أو عمة أو خالة.

والأمراض الوراثية المتنحية كثيرة جداً، منها الأمراض التي بها خلل في الأيض (الاستقلاب) (INBORNERROR OF METABOLISM) مثل مرض ويلسون (WILSONSDISEASE)، ومرض تيساك (TAYSACS)، والبرص الوراثي (ALBINISM)، والبول الأسود (ALKAPTONURIA)، وعددها يزيد عن مئة مرض معروف لدى الأطباء المختصين.

ولذا فإن الأمراض الوراثية، وخاصة منها ذات الصفات المتنحية، إنما تظهر بصورة جلية وبنسبة أكبر، عند زواج الأقارب"(18).

وأما الدكتور/ عمر الألفي، فقد ذكر قاعدتين لعلم الوراثة وهي:

الأولى: إذا تباعد مصدر المورثات في التزاوج، قوي النتاج، وقد اُسْتُنْبــِطَت هذه القاعدة، من نتائج تجارب التزاوج بين الحيوانات، وكذلك من تجارب تلقيح النبات.

الثانية: إذا حمل كل من الأب والأم نفس المورث المعيب، سمح هذا للمرض الوراثي المسود أن يظهر في النتاج، باحتمال واحد من أربعة في كل مناسبة، واحتمال أن يحمل كل من الأب والأم نفس المورث المعيب، يتزايد كلما قربت درجة القرابة بينهما".

وذكر أنه في دراسات متعددة، سبق أن أجريت في دولة الكويت : تبين أن نسبة حدوث الولادات المبكرة، أعلى في زيجات الأقارب (9.89%) عنها في زيجات الأباعد (7.46%).

ومتوسط وزن المولود في زيجات الأقارب (3274 جم)، أقل من متوسط الوزن في زيجات الأباعد (3326 جم).

ونسبة حدوث بعض الأمراض الوراثية، في زيجات الأقارب، أعلى منها في زيجات الأباعد، وكان أهم هذه الأمراض من ناحية الأهمية العلمية هو نوع الضعف العقلي المسمى (الطفل المنغولي)، حيث كان هناك (14) حالة بين (3989) زيجة بين الأقارب أي نسبة (3.5/ألف) في مقابل (6) حالات بين (7436) زيجة بين زيجات الأباعد أي نسبة (0.8/ ألف).

والجديد في هذا البحث، أن مرض (الطفل المنغولي) ينتج عن خلل في انقسام الصبغيات، والاستنتاج العلمي هنا أن هذه الحالة تتأثر بمورث مسود، وعلى ذلك يزيد حدوثها بين زيجات الأقارب(19). اهـ.

ونقل الحافظ يوسف موسى، عن جريدة الأهرام: أن الدكتور/ فؤاد الشربيني(20) قام بدراسة جاء فيها: أن زواج الأقارب تسبب في إصابة الأطفال باضطرابات أجهزة المناعة والحساسية، التي تضعف مقاومة الأطفال للميكروبات، ومن أهم الأمراض: (أنيميا البحر المتوسط)، وهو نوع من النقص في الهيموجلوبين (فقر الدم)، ومرض السكري، والنقرس، والاضطرابات الكيماوية، وضعف الإبصار، وهذه من الأمراض التي تظهر في الجيل الثاني مباشرة، ولقد بلغت نسبة ضعف الإبصار بالوراثة إلى (50%) من مجموع حالات ضعف الأبصار، ويكون للأطفال بالوراثة استعداد لمرض القلب، والربو الشعبي، والصرع، والصمم، ولا يشترط أن يكون أحد الأبوين مصاباً، ولكن تكفي قرابتهما لينال الطفل ما كان عند الجدود.

ومن الدراسات التي قام بها معهد الصحة العالي، دراسة جاء مفادها: أن حالات تسمم الحمل، ووفيات أطفال المهد والرضع، تتضاعف في زواج الأقارب عن غيره (21). اهـ.

 


(*)    تربية الأولاد في الإسلام (1/39).

(**)  المصدر السابق.

(1)   غريب الحديث للحربي (2/378، 379) مادة (قرم). وغريب الحديث لابن قتيبة (3/737): جاء في الحديث: اغتربوا لا تضووا.

(2)   تخريج أحاديث الإحياء (2/41).

(3)  تلخيص الحبير (3/146)، وخلاصة البدر المنير (2/179).

(4)  تقريب التهذيب ص (325).

(5)   الطب النبوي والعلم الحديث (2/10).

(6)   هل هناك طب نبوي، ص (156)، والوجيز في علم الأجنة القرآني ص (26، 27)، ونبه على أنهما من قول عمر، فأصاب.

(7)   رحلة الإيمان في جسم الإنسان ص (33)،وجعلهما من قول عمر، كذلك.

(8)   الجنس بين الإسلام والعلمانية ص (321).

(9)  تربية الأولاد في الإسلام (1/39).

(10) الإعجاز العلمي في الإسلام السنة ص (182).

(11) الاختيار للزواج والتغيير الاجتماعي ص (104).

(12) الطب محراب للإيمان (2/118).

(13) عمل المرأة في الميزان (ص (41).

(14) مع الطب في القرآن ص (56).

(15) الإسلام والوقاية من الأمراض ص (119).

(16) بحث (اغتربوا لا تضووا) من أعمال المؤتمر العالمي الأول عن الطب الإسلامي

        ص (400، 401) الكويت ربيع الأول سنة 1401هـ.

(17) خلق الإنسان بين الطب والقرآن ص (128 131، 197).

(18) خلق الإنسان بين الطب والقرآن،ص (154).

(19) بحث (اغتربوا ولا تضوو)، سبق ذكره، عند بيان المستدلين بهذا الحديث.

(20) الرئيس السابق لقسم رعاية الطفولة والأمومة بالمعهد العالي للصحة العامة بمصر.

(21) الجنس بين الإسلام والعلمانية ص (321)، وقال المؤلف: وهذه الدراسات تمت بمصر، نقلاً عن جريدة الأهرام عدد (36451) في 26/9/1986م.