بحث عن بحث

أثر زواج الأقارب الوراثي (2ـ2)

التعليق:

لعلي بمن يسمع هذا التهويل، في أضرار زواج الأقارب، أنه يقول وداعاً يازواج الأقارب، لا لقاء بعده، فلذا أقول: مهلاً يا أخي، فليس كل ما قالوه صحيح، وذلك أنه:

أولاً: إن النصوص التي دعموا بها آراءهم في زواج الأقارب ليس لها أصل، ولا تصح حتى موقوفة عن عمر، بل إن النصوص الشرعية الصحيحة على عكس هذا الذي ذهبوا إليه، قال تعالى: " يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك " [الأحزاب:50].

وكذلك  فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فقد تزوج من أقربائه، وزوج بناته لأقربائه، ثم لو كان في زواج الأقارب ضرر، لبينه النبي صلى الله عليه وسلم   .

ثانياً: أن ما ذكروه من أضرار وأمراض، ناتجة عن زواج الأقارب؛ لم يسلم بها عدد من أقرانهم من الأطباء.

فقد قدم الدكتور/ أحمد شوقي إبراهيم، والدكتور/ محمد كمال نجيب، والدكتورة/ صديقة علي العوضي، بحثاً إلى (المؤتمر الطبي الإسلامي الدولي عن الشريعة الإسلامية، والقضايا الطبية المعاصرة) ( 1 ) ، بعنوان: (زواج الأقارب ما له وما عليه...) ( 2 ) ، قالوا فيه: "إذا نظرنا إلى زواج الأقارب، من الناحية الوراثية البحتة، نجد أن زواج الأقارب، في حد ذاته، لا يعتبر العامل المؤثر على صحة الإنسان، ولكنه يلعب مثل دور مفتش المباحث في إظهار الجريمة، فدور زواج الأقارب هو تجميع الجينات المريضة [المتواجدة] ( 3 ) في أفراد الأسرة، وإظهار تأثيرها في الجيل الذي ينتج عن هذا النوع من الزواج".

ثم قالوا: "ونظراً لما لزواج الأقارب من أهمية علمية، قام مركز الأمراض الوراثية بالكويت، بعمل بحثين عنه:

الأول: تحديد حجم مشكلة زواج الأقارب في دولة الكويت، وتأثير هذا النوع من الزيجات، على الإجهاض، وموت الجنين، سواء كان قبل الولادة مباشرة أو بعدها، وأسفر البحث عن الآتي:

أولاً: من بين (5007) أسرة كويتية شملها البحث، من مختلف مناطق الكويت، وممثلة للأسرة الكويتية تمثيلاً إحصائياً، كانت نسبة زواج الأقارب (54%)، منهم (30.5%) أولاد عمومة وما شابهها.

ثانياً: بين البحث وجود زيادة طفيفة في نسبة موت الأطفال، خلال الأسبوع الأول والشهرالأول، الناتجين عن زواج الأقارب (14.2%، 2.97% تباعاً)، عن نسبة موت الأطفال في خلال هذا العمر الناتجين من زواج الأباعد (13.97%، 2.54%)، إلا أننا نلاحظ أن الفرق غير ذي مدلول إحصائي.

ثالثاً: لا يوجد نمط محدد في زيادة الإجهاض، ونزول الأجنة ميتة، كلما ازدادت درجة القرابة، وكان الاستنتاج من هذا البحث هو: أنه لا يوجد نمط في الزيادة في الإجهاض وموت الجنين، كلما ازدادت درجة القرابة.

 

أما البحث الثاني فكان عن نِسَبِ الخلل الكروموسومي، بأطفال الأزواج الأقارب (Naguib, 1984)؛ بعد إعلان كثير من الدوائر، بوجود علاقة بين زواج الأقارب والخلل في الصبغيات.

وافترض هذا الفرض، اعتماداً على وجود أكثر من فرد، في العائلة الواحدة يعاني من خلل كروموسومي، ولقد عزى السبب إلى وجود جين متنحٍ ، بسبب عدم انفصال الصبغيات أثناء الانقسام، وأن هذا الجين يظهر تأثيره بزواج الأقارب، الذي يؤدي إلى (تواجد) ( 4 ) ، هذا الجين، بجرعة مزدوجة، في الذرية الناتجة عن زيجات الأقارب.

فتم اختيار عشوائي لمئة أسرة، تبين بالتحليل (السيتولوجي)، أن أحد أفرادها يعاني من خلل الصبغيات، وقام المركز بالتحليل الإحصائي لهذه العينة، وبالمقابل تم اختيار مئة أسرة أخرى، اختياراً إحصائياً كعينة مقارنة، وتم التوصل إلى الآتي:

أولاً: أن نسبة زواج الأقارب بين المرضى هي 46%، وفي العينة المقارنة 34%.

ثانياً: أنه لا يوجد فرق ذو مدلول إحصائي في الإجهاض، أو ولادة الجنين ميتاً، في العينة الناتجة من زواج الأقارب، عنها في العينة الناجمة من زواج الأباعد.

ثالثاً: يوجد فرق إحصائي بين عمر الأم، في العينة الناجمة من زواج الأقارب، والتي نجمت من زواج الأباعد، وهذا الفارق يرجعه كثير من العلماء على أنه المسبب في خلل الصبغيات.

رابعاً: قام الباحث بتحليل هذه النتائج، بطرق إحصائية عديدة، مفترضاً أن زواج الأقارب له تأثير في الخلل الصبغي، لكن كانت النتائج ترفض هذا الافتراض.

من هذا استنتج الباحث عدم وجود مثل هذا الجين، وبالتالي فإن زواج الأقارب لا يلعب دوراً هاماً في مثل هذه الأمراض، وإذا كان له دور، فإن هذا الدور ليس عن طريق وجود جين متنحٍ، وتتفق هذه النتائج مع النتائج التي توصل لها بعض العلماء مثل:

“Kwiterovich et al (1966), Matsunaga (1966), Forssman and akesson (1967), Stene (1977) and Juberg & Daois (1978)”.

ثم قالوا: "وهنا تجدر الإشارة إلى، أهمية مدة ممارسة زواج الأقارب في المجتمع، وهل هي ظاهرة تاريخية قديمة، واسعة الانتشار، أو قريبة العهد قليلة الحدوث؟ وإذا كانت هذه العادة قائمة من قديم الزمان، فإن زواج الأقارب لابد أنه أفضى من زمن بعيد إلى إظهار الأمراض، وهي كثيراً ما تكون قاتلة، بمعنى أنه خلص المجتمع فعلاً من مورثين مرضيين، ونقاه بمرور الزمان من الجينات المرضية، أما إذا كان زواج الأقارب، ممنوعاً في المجتمع أو نادراً، فإن هذا المنع سوف يؤدي إلى بقاء كثير من الأفراد، يحملون المورثات المرضية، وبالتالي فإن فرصة احتمال تزاوج شخصين غير أقرباء، يحملان المورثات المرضية لمرض معين، تكون كبيرة، ومن ثم ظهور هذا المرض في هذه المجتمعات، وخير مثال على ذلك مرض  Cystic Fibrosis Of Pancreas، وهذا المرض محكوم بمورث متنحٍ، منتشر في بريطانيا، رغم ندرة زواج الأقارب فيها، ويرجع ذلك إلى وجود نسبة عالية من حاملي المرضي كما شرحنا في السابق (22:1)، مما يؤدي إلى زيادة فرصة تزاوج حاملي هذا المرض، وبالتالي ظهوره بين ذريتهم.

مما سبق يتضح أن المنع والإباحة، لن يمنعا ظهور الأمراض الوراثية منعاً مطلقاً، والتي تتحكم فيها الجينات المرضية المتنحية، شرط وجود هذه الجينات في المجتمع، أي: العملية هي تضحية جيل محل جيل آخر، فإذا (حرّمنا) ( 5 ) زواج الأقارب، فإن الأجيال القادمة هي التي سوف تعاني من هذه الأمراض، أما إذا (أبحنا) ( 6 ) هذا النوع من الزيجات، فإن الأجيال الأولى هي التي سوف تعاني، من أجل نقاء الأجيال القادمة، وكأن الله تعالى أراد بهذه الإباحة المتحفظة، أن يعمل على الاتزان الطبيعي، فالإباحة الكاملة تؤدي في النهاية إلى ظهور الأمراض، أما الوسط فهو يساعد على الاتزان الطبيعي". اهـ.

وهذا البحث الذي قدموه من الأهمية بمكان، وذلك لأنه من الأبحاث الحديثة، ولأنه قد طرح في مؤتمر دولي، وهذه المؤتمرات لا تُقْبَل فيها الأبحاث، إلا بعد المرور على لجان متخصصة في نقد الأبحاث وتقويمها.

كما أنه موافق لرأي الدكتور/ أحمد الكباريتي وهو أستاذ علم الوراثة بجامعة الكويت سابقاً فقد نشرت جريدة المسلمون( 7 ) مقالاً بعنوان: "زواج الأقارب بين العلم والدين" للدكتور أحمد السالوس  ( 8 ) ، قال فيه: "قد دعيت إلى الاشتراك في ندوة، موضوعها: (زواج الأقارب بين العلم والدين)، وأُسْنِد بيان الجانب العلمي للدكتور/ أحمد الكباريتي أستاذ علم الوراثة بجامعة الكويت آنذاك وكان علي أن أتحدث في الجانب الديني، وقبل أن أبين النتيجة التي انتهيت إليها، أذكر أولاً ما وصل إليه الدكتور/ الكباريتي:

تناول الدكتور/ الكباريتي الجانب العلمي في الموضوع، حيث قلب الشائع الذي يقول بأن زواج الأقارب، يسبب الأمراض الوراثية، وقال: إن هذا اعتقاد خاطئ، ودلل على ذلك بنظريات حديثة تؤكد ذلك، وقال: إنه نتيجة للبحث العلمي، في مجتمع ينتشر فيه زواج الأقارب، وآخر يكثر فيه زواج الأباعد، وثالث يكثر فيه الزواج بين أجناس مختلفة، ثبت عدم وجود أي فرق بين هذه المجتمعات، من حيث انتشار الأمراض الوراثية، هذه خلاصة ما ذكره أستاذ علم الوراثة".

ثم قال الدكتور/ السالوس: "وعندما قمت بدراستي للموضوع، انتهيت إلى نتيجة لا تتعارض مع النتيجة السابقة، على الرغم مما شاع قديماً وحديثاً، من أن زواج الأقارب يأتي بنسل ضعيف".

وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم زوج وتزوج من أقاربه، فكيف ينهي عن شيء، ويفعله هو نفسه صلى الله عليه وسلم وهو ليس من خصوصياته!.

ثم نقل عن ابن حزم ( 9 ) أنه قال: "وإنما تخيرنا نكاح الأقارب؛ لأنه فِعْلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم ينكح إلا من بني هاشم، وبني عبد شمس، وقال تعالى:   " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة "  [الأحزاب: 21].


 

( 1 )   عقد في القاهرة عام 1987م تحت رعاية رئيس جمهورية مصر بالتعاون بين الأزهر وكلية الطب بجامعة عين شمس.

( 2 )   تمام العنوان: (.... بين التحريم والإباحة)، وهذه الجملة غير مطابقة  للبحث، حيث إنهم بحثوا أضرار زواج الأقارب المباح.

( 3 )   هكذا عبروا، والصواب (الموجودة)؛ حيث إن التواجد من الوَجْد، وهو الحزن، لسان العرب (6/4770).

( 4 )   انظر بيان هذه الكلمة.

( 5 )   هكذا عبروا، والأولى أن يعبروا بلفظين غيرهما، حيث إنهما مصطلحان شرعيان، ولا يحرم ولا يبيح إلا الشرع.

( 6 )   هكذا عبروا، والأولى أن يعبروا بلفظين غيرهما، حيث إنهما مصطلحان شرعيان، ولا يحرم ولا يبيح إلا الشرع.

( 7 )   جريدة المسلمون السنة الثانية العدد (82) ص (9) بتاريخ 25/ذي الحجة/1406هـ.

( 8 )   أستاذ بجامعة قطر.

( 9 )   أحال على المحلى (11/209)، ولم أجده في الطبعة التي عندي، وبحث عنه في مظانه فلم أجده.