بحث عن بحث

 

المبحث الرابع عشر (أطوار الجنين: النطفة، العلقة، المضغة (5ـ6))

 

الاستدلال :

استدل بعض الأطباء والكتاب بالأحاديث السابقة ، على أنها إعجاز علمي صريح للسنة النبوية، فهي تنطق – من قبل أربعة عشر قرناً من الزمان – بما كشفه علم الأجنة في العصر الحاضر، وقد رتبت القضايا التي ذكروها كما يلي:

 

   1 – أن الجنين يمر بأطوار (نطفة، علقة، مضغة) وليس مجرد نمو في الحجم والوزن، وهذا هو ما يُشاهد عياناً في علم الأجنة اليوم.

استدل على هذه القضية، كل من الدكتور/ أحمد كنعان، ومحمد كمال شوشرة، في كتابهما (النشأة الأولى) (1) بحديث ابن مسعود، وتبعهما الدكتور/ محمود ناظم النسيمي، في كتابه (الطب النبوي والعلم الحديث) (2)واستدل الدكتور/ محمد علي البار بحديث أنس على نفس القضية(3).

 

2 – دقة مطابقة ألفاظ الحديث بمدلولاتها اللغوية، لما كشفه علم الأجنة، وبيان ذلك كما يلي:

أ – العلقة(4):

قالوا: العلقة:

   1 – مشتقة من العلق، وهو الالتصاق والتعلق بشيء ما.

   2 – تطلق على دودة في الماء تمتص الدم، وتعيش على دماء الحيوانات التي تلتصق بها.

   3 – وتطلق على الدم، وعلى الشديد الحمرة منه، أو الغليظ الجامد، أو الدم الرطب.

  وهذه المعاني الثلاثة، كلها تحصل للنطفة عند دخولها في طور العلقة، وتفصيل ذلك كما يلي:

  تلتصق النطفة التامة التكوين، والتي تسمى في هذه المرحلة بـ (المتكيسة الجرثومية) (BLASTOCYST)، بجدار الرحم في اليوم السادس من بداية التلقيح – في بداية طور الانغراس (IMPLANTATION) – حتى تنزرع تماماً، وتستغرق هذه العملية أكثر من أسبوع، حتى تلتصق النطفة بالمشيمة البدائية، بواسطة ساق موصلة، تصبح فيما بعد الحبل السري، وهذا يتفق مع المعنى الأول، وهو (التعلق بالشيء).

وفي أثناء نمو النطفة داخل جدار الرحم، في نهاية طور العلقة، فإنها تفقد شكلها المستدير، لتتهيأ لأخذ شكل مستطيل، يشبه شكل العلقة: أي الدودة التي تعيش في الماء(5).

ويبدأ الجنين في هذه المرحلة بالتغذي من دماء الأم، مثلما تفعل ا لعلقة (أي الدودة المعروفة)، إذ تتغذى من دماء الكائنات الأخرى، ويحاط الجنين بمائع مخاطي تماماً مثلما تحاط الدودة بالماء، وهذا هو المعنى الثاني للفظة (علقة).

كذلك نجد أن المظهر الخارجي للجنين وأكياسه، يتشابه مع الدم المتخثر الجامد الغليظ؛ لأن القلب الأول للجنين، وكيس المشيمة، ومجموعة الأوعية الدموية، تظهر في هذه المرحلة، وتكون الدماء محبوسة في الأوعية الدموية، حتى وإن كان الدم سائلاً – ولا يبدأ الدم في الدوران، حتى نهاية الأسبوع الثالث – وبهذا يأخذ الجنين مظهر الدم الجامد، أو الغليظ، مع كونه رطباً، وهذا يتفق مع المعنى الثالث للفظة (علقة).

ألا ترى بعد هذا كله، أن وصف العلقة، هو أليق وصف، وأصدق خبر، عن هذه المرحلة من مراحل الجنين؟! بلى إنه لكذلك(6).

 

ب – المضغة(7):

قالوا: المضغة في اللغة تأتي بمعانٍ متعددة منها:

1 – (شيء لاكته الأسنان).

2 – وفي قولك (مُضَغُ الأمور) يعني صغارها.

3 – وذكر عدد من المفسرين، أن المضغة في حجم ما يمكن مضغه.

  وعند اختيار مصطلحات لمراحل نمو الجنين، ينبغي أن يرتبط المصطلح بالشكل الخارجي، والتركيبات الداخلية الأساسية، للجنين، وبناء على هذا فإن إطلاق اسم (مضغة) على هذا الطور من أطوار الجنين، يأتي محققاً للمعاني اللغوية للفظة (مضغة).

كما أوضح علم الأجنة الحديث، مدى الدقة في اختيار تسمية (مضغة) بهذا المعنى، إذ وجد أنه بعد تخلق الجنين والمشيمة في هذه المرحلة، يتلقى الجنين غذاءه وطاقته، وتتزايد بذلك عملية النمو بسرعة، ويبدأ ظهور الكتل البدنية، المسماة: (فلقات) التي تتكون منها العظام والعضلات.

ونظراً للعديد من الفلقات (الكتل البدنية) التي تتكون؛ فإن الجنين يبدو وكأنه مادة ممضوغة، عليها طبعات أسنان واضحة، فهو مضغة.

ويمكن إدراك تطابق مصطلح (مضغة)، لوصف العمليات الجارية في هذا الطور، في النقاط التالية:

1 – ظهور الفلقات، التي تعطي مظهراً يشبه مظهر طبع الأسنان في المادة الممضوغة، وتبدو وأنها تتغير باستمرار، مثلما تتغير آثار طبع الأسنان في شكل مادة تُمضغ حين لوكها – وذلك للتغير السريع في شكل الجنين – ولكن آثار الطبع أو المضغ تستمر ملازمة، فالجنين يتغير شكله الكلي، ولكن التركيبات المتكونة من الفلقات تبقى....، وكما أن المادة التي تلوكها الأسنان، يحدث بها تغَضنٍ(8) وانتفاخات وتثنيات، فإن ذلك يحدث للجنين تماماً(9).

2 – تتغير أوضاع الجنين نتيجة تحولات في مركز ثقله، مع تكون أنسجة جديدة، ويشبه ذلك تغير وضع المادة وشكلها ، حينما تلوكها الأسنان.

3 – وكما تستدير المادة الممضوغة قبل أن تُبلع، فإن ظهر الجنين ينحني ويصبح مقوساً شبه مستدير، مثل حرف (C) بالإنجليزية(10).

4 – ويكون طول الجنين حوالي (1سم) في نهاية هذه المرحلة، وذلك مطابق للوجه الثاني من معاني كلمة مضغة، وهو (الشيء الصغير من المادة)، وهذا المعنى ينطبق على حجم الجنين الصغير؛ لأن جميع أجهزة الإنسان تتخلق في مرحلة المضغة، ولكن في صورة برعم(11).

وأما المعنى الثالث الذي ذكره بعض المفسرين للمضغة: (في حجم ما يمكن مضغه)، فإنه ينطبق ثانية على حجم الجنين، ففي نهاية هذا الطور يكون طول الجنين (1سم)، وهذا تقريباً أصغر حجم لمادة يمكن أن تلوكها الأسنان.

وأما طور العلقة السابق، فقد كان الحجم صغيراً، لا يتيسر مضغه إذ يبلغ (3.5) مم طولاً، وينتهي طور المضغة بنهاية الأسبوع السادس(12).

هذا فيما يتعلق بمظهر الجنين الخارجي، ولكن هناك "ما هو أعجب من ذلك! وهو أننا نجد الجنين في داخله أيضاً مقسم إلى كتل، تعرف باسم: (Metameres) أو (قطع)(13).

وهكذا يصدق وصف المضغة على الجنين أصدق الوصف، وأبلغه، وأحكمه، وهو أدق في ذلك من تحديدات علماء الأجنة، الذين يصفون هذه المرحلة باسم: (مرحلة الكتل البدنية SOMITES)، بينما نرى وصف المضغة يشمل الكتل البدنية والأقواس البلعومية، بل والقطع الداخلية (Metameres)؛ فهو وصف أدق، وأشمل، وأوجز"(14).

استدل على هذه القضية، الشيخ عبدالمجيد الزنداني ومن معه(15)، بحديث ابن مسعود، واستدل الدكتور/ محمد علي البار، به، وبحديث أنس، في كتابه (الوجيز في علم الأجنة القرآني)(16).

3 – جمع الخلق يتم في الأربعين يوماً منذ التلقيح:

استدل الشيخ عبدالمجيد الزنداني بحديث ابن مسعود، على أن قوله صلى الله عليه وسلم: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً»، يوافق ويطابق ما كشفه علم الأجنة، من أن شكل الجنين يكون مجتمعاً، وكذلك أعضاءه تجمع خلال الأربعين يوماً.

قال: "فظاهر الحديث، أن خلق الإنسان يجمع في أربعين يوماً، ويقرر الأطباء بعد رحلة طويلة من الدراسة، والتشريح الدقيق لجسم الجنين، في الأربعين يوماً الأولى، أن الأعضاء الرئيسة للإنسان جميعاً، تتخلق واحداً بعد الآخر، فلا تمر الأربعون يوماً الأولى، إلا وقد اجتمعت جميع الأجهزة، ولكن في صورة براعم، وتكون مجموعة في حيز لا يزيد عن سنتيمتر.

كما أن الجنين يكون مجموعاً حول نفسه، بالتفاف في شكل قوس، أو يشبه حرف (C) بالإنجليزية"(17). اهـ.

 


(1)  النشأة الأولى (1/222).

(2)  الطب النبوي والعلم الحديث (3/328).

(3)  خلق الإنسان بين الطب والقرآن ص (243، 262، 263).

(4)  انظر تعريفها في أول هذا المبحث.

(5)  انظر شكل (2) الملحق.

(6)  انظر: علم الأجنة في ضوء الكتاب والسنة ص (69 – 75)، وخلق الإنسان بين الطب والقرآن ص (211– 223).

(7)  انظر تعريفها في أول هذا المبحث.

(8)  الغَضْنُ – ويُحَركَ – كل تثن في ثوب أو جلد أو درع، القاموس (3/401).

(9)  انظرشكل 3، 5الملحق.

(10)  انظرشكل 3، 5 الملحق.

(11)  هو أصغر حجم لإنسان تخلقت جميع أجهزته، فهو إذن مضغة لأن مُضَغُ الأمور: صغارها، وهذا إنسان بجميع أجهزته طوله (1سم)، هكذا في حاشية كتاب: علم الأجنة في ضوء القرآن والسنة ص (82).

        والبُرْعُمُ والبُرْعُوم والبُرْعُمة والبُرْعُومة كله: كِمُّ الشجر والنَّوْر، وقيل: زهر الشجرة، وَنَوْر: النبت قبل أن يتفتح، لسان العرب (1/260).

(12)  علم الأجنة في ضوء القرآن والسنة ص (80 – 82).

(13)  انظر شكل (4) الملحق.

(14)  الوجيز في علم الأجنة القرآني ص (41، 42).

(15)  علم الأجنة في ضوء القرآن والسنة ص (152).

(16)  الوجيز في علم الأجنة القرآني ص (37، 38).

(17)  علم الأجنة في ضوء القرآن والسنة ص (152)، وانظر شكل (5) من الملحق.