بحث عن بحث

 

 السنة المستقلة بالتشريع وآراء العلماء فيها(3)

 

 

 تحليل قول الشافعي في مخرج السنة المستقلة

وهذه الأقوال الأربعة كما عدها الشافعي في رسالته ظاهرة التعدد من تنويعه لها ، وأنها أربعة أنواع ، غير أن الشيخ محمد أبو زهرة أرجع الأقوال الأربعة إلى قولين ــ وهو ملحظ دقيق ـــ فقال : " وعند النظر في هذه الأقوال نجدها أربعة ، وهي ترجع إلى اثنين ...... الثاني قسم وحده ، وهو من يقول إن السنة لا تأتي بشيء إلا له أصل في الكتاب ، والثلاثة الأخر ، الأول والثالث ، والأخير ، كلها تثبت أن السنة تجيء بزائد عن الكتاب ، ولكن بعضهم يقول : إن السنة تقبل لأنها تجيء على لسان المعصوم فتصادف رضاء الله بتوفيقه ، وآخر يقول بالرسالة عن الله ، والآخر يقول ألقيت في روعه ، والحق أن السنة النبوية جماع كل هذا ، فانحصر الأمر في رأيين "(1) .

وعليه فالخلاف في تلك المسألة ينحصر في قولين :

القول الأول : قول المثبتين للاستقلال ، وهو مذهب جمهور علماء المسلمين ، قال الشوكاني : " قد اتفق من يعتد به من أهل العلم على أن السنة المطهرة مستقلة بتشريع الأحكام ، وإنها كالقرآن في تحليل الحلال وتحريم الحرام ، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه " (2)، أي أوتيت القرآن ، وأوتيت مثله من السنة التي لم ينطق بها القرآن " (3)

القول الثـــــاني : قول المنكـــــرين للاستقلال ، وهو مذهب الشاطبي وابن حـــــزم وبعض المعاصــــرين .

ولكل قول أدلتــه التي عول عليها فيما ذهب إليه ، وسوف أعــرض لهذه الأدلــــة مرجحا ما أراه صوابـــا .

أولا : أدلة القائلين بالاستقلال :

استدل جمهور العلماء على مذهبهم في استقلال السنة بالتشريع بما يأتي :

أولا : قالوا إن استقلال السنة بأحكام وأخبار غير مذكورة في القرآن الكريم ليس ممتنعا عقلا ولا شرعا ما دام النبي يبلغ عن الله عز وجل في جميع الأحوال ، وما دام معصوما من الخطأ في جميع أقواله وأفعاله كما قال سبحانه :( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى )[ سورة النجم / 3 ، 4 ] .

ثانيا : يرى جمهور العلماء أن استقلال السنة لا يتعارض مع قول الله عز وجل :( مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ)[ سورة الأنعام /35 ](4)كما ادعى المخالفون .

ذلك أن القرآن الكريم تضمن التحذير من مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم تحذيرا عاما ، فقال :( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)[ سورة النور / 63 ] .


(1) كتاب الشافعي لأبي زهرة صــ 228 .

(2) سبق تخريجه .

(3) إرشاد الفحول صــ 68 ، ط : مؤسسة الكتب الثقافية .

(4) سيأتي مناقشة تلك الآية وأمثالها ، وبيان الكلية المذكورة فيها فيما بعد إن شاء الله تعالى .